كيف اغدر بمن وثق بي

✍ صالح الريمي :

خُلق الوفاء بين البشر هو طريق الأنبياء وطبع العظماء، وروح الأصفياء، وجمال الأنقياء، ولا يكون الوفاء الإ بحفظ العهود، وصدق الوعود، وأداء للأمانات، واعتراف بالجميل، وصيانة للمودة والألفة والمحبة . 

وخُلق الوفاء من أهم الطباع والصفات والأخلاق الراقية والسامية التي جُبِلت عليه النفوسُ الأبية، والقلوب المرضية بحفظ المعروف، وردُّ الجميل، ومقابلة الإحسان بالإحسان، والمكافأة للمعروف بمثله.

وخُلق الوفاء صفة إنسانية رائعة، تفتح دروبًا للثقة والاحترام بين الناس، فالإنسان الوفي بطبعه محب وفطرته النقاء، ومن الوفاء الرحمة مع المخلوقات كافة، ومن أهم تلك المخلوقات الحيوانات؛ لأنّها تعجز عن الدفاع عن نفسها ومواجهة قسوة البشر الذين قد يتعرضون لها بالأذية أو يتسببون لها بالألم والإهمال.

من هذه المقدمة أنقل لكم قصة وفاء جميلة، وليس ما أعنيه من وفاء بين حيٍّ لحيٍّ، أو بين شخص لشخص، ولا وفاء بين منعم لمُنعِمٍ عليه، ولا وفاء من يرجى وصله ويؤمل نواله وثناؤه، بل هو وفاء بين إثنين، أحدهما من البشر والآخر من الحيوانات..
ففي يوم من الأيام ضاقت الأحوال وزادت الظروف الصعبة على راعي أبل، فباع جميع جماله ونياقه، إلا جملًا واحدًا فقط، كان بينهما أُلفةً ومحبة، لكن ظروف الرجل زادت في التدهور والضيق فاضطر ببيع الجمل الأخير لديه.

ذهب بالجمل إلى أحد الأسواق، وباع الجمل وذهب في رحاله، والرجل الذي اشتري الجمل ذهب بالجمل إلى المسلخ لذبحه، لكن الجمل أبى أن يدخل المسلخ، وباءت جميع جهود من كان حاضرًا ومحاولاتهم بالفشل، فجاء رجل ذو خبرة وقال لهم إحضروا صاحب الجمل، وبالفعل أتوا بصاحب الجمل واخبروه بالقصة..
أمسك صاحب الجمل بخطامه واقتاده، والجمل يرافقه خطوة بخطوة دون أي مقاومة، فأسرعوا إلى الجمل بسكاكينهم لكي ينحروه، ولكن صاحب الجمل كان له رأيٌا آخر.! قال لهم كيف اغدر بمن وثق بي وخطى بخطاي إلى حتفه؟ ثم أعطاهم المبلغ الذي أخذه منهم وخرج بالجمل معه، وأقسم بأنه لن يبيع من ائتمنه على روحه. انتهت القصة ولم ينتهِ الكلام.

فما أكثر الناس اليوم من يبيعون العشرة والجمل بما حمل وبأبخس الأثمان، لقد ضاع الوفاء عند بعض البشر فيما بينهم وكأنهم ما خُلقوا إلاَّ ليأخذوا، لا ليعطوا، وما وجدوا إلا ليستغلوا، لا ليمنحوا، وما علموا أن قيمة الحياة الحقيقية تكمن في البذل والعطاء من المال والجهد والعلم والوقت والجاه..
بالنسبة لي الوفاء؛ كلمة رقيقة تحمل جملة من المعاني الجميلة: فالوفاء؛ يعني الإخلاص الذي لا غدر ولا خيانة فيه، وبذل وعطاء، ومحبة ومودة، والمحافظة على العهد لمن أعطيتهم العهود والمواثيق، في زمنٍ غاب فيه الوفاء، ونقضت كثير من الوعود والعهود، وانقطعت الأرحام وزاد الجحود، وأصبح الوفاء يقف حائرًا يبحث عن المعنى الحقيقي للوفاء.

*ترويقة:*
الغدر والخيانة أسوأ ما يتعرض له الأشخاص في حياتهم، فلا نفس تطيق الغدر ولا تتقبله، خاصة إن كان من الأحبة والمقربون والأصدقاء، فهؤلاء من منحناهم الثقة وبتنا كثيرًا وفي مخيلتنا أنهم خير عونٍ وسند، وما أشدَّ حاجة الناس اليوم إلى الوفاء، في زمن فشا فيه الجحود والنكران في قلوب بعض من البشر، فلا الجميل عندهم عاد يذكر، ولا المعروف لديهم يحفظ.

*ومضة:*
من أقوال المشاهير عن الغدر والخيانة:
“الحيوانات لا تخون أعداءها ولا تغدر بهم”..
وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.

*كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى