شروخ ثقافية

بقلم الدكتور : عبد الولي الشميري

 

 

 

 

من ذا يقف في وجه من يعملون على تمزيق الكيان العربي ؟ ومن ذا يرشد الركب السياسي والاجتماعي إذا انحرف عن المسار الصحيح ؟

بلا ريب ومن المسلمات البديهية هم المثقفون الذين يبحرون في بطون الكتب، ويعلمون كل مسارات التاريخ، وأخبار الدول وسياساتها، ويعلمون طبيعة الأمة العربية ويفهمون مقوماتها الفكرية، وأساسها الثقافي، والمخاطر التي تحيط بها ويعلمون خصومها المستهدفين وحدتها وثروتها وتراثها، وإذا كان جوابي متفقا عليه فإن أسئلة أخرى تطرح نفسها عن هؤلاء المثقفين: من هو المثقف الحقيقي؟ أين هو ؟ ما اهتماماته؟

فأما السؤالان الأول والثاني: فالإجابة عنهما بأن المثقف العربي موجود في كل قطر داخل وطننا العربى وخارجه بعضهم معترف بهم رسميا، وبعضهم يقنطون وراء الأضواء : إما فى خمول وحيرة وعدم شعور بذواتهم من أنفسهم أو من مجتمعاتنا وأنظمتنا العربية، وإما يقبعون في قيود التصنيف الظالم، من قبل خصومهم وأنظمتهم، أو فى حالة حرب عوان شعواء مع وسائل الإعلام المغتصبة بأيدى المتثاقفين الذين لا صلة لهم بالثقافة الحقيقية وهى بريئة منهم براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام ، وأما السؤال الثالث : ما اهتمامات المثقفين العرب اليوم؟ وهذا السؤال هو محور الارتكاز في موضوعنا اليوم – فالمثقف العربي مع نبيل احترامي له مشغول هو الآخر بمعارك إما شخصية فى ظروفه الخاصة وأحواله المادية والاجتماعية يعانى من احتياج شديد لإصلاح ظروفه الخاصة من أزمة السكن .

أو ضعف المرتب الشهرى أو المرض الذى ينقسم إلى قسمين : إما مرض جدى لا يملك ما ينفق على علاجه وبالتالي يبقى صاحب تفكير ينبع من جسد مريض لا يحس إلا الآلام ولا يرى سوى الفقر والحاجة، وإما أن يكون مريضا بمرض أخطر وأشد وهو مرض الأنانية الذاتية وعدم  الشعور النفسى بحجم الأخطار التي تهدد أمته ،وبلاده هذا النوع من المرض يعتبر الأخطر والأشد فتكا من بين كافة الشروخ الأخرى كافة ولقد كشف لي منتدى المثقف العربي الذي أرعاه في القاهرة حجم هذا الشرخ الثقافى بين طائفة المثقفين من الجنسين.

إن المثقفين العرب وأساتذتهم الكبار من المصريين يمتلكون نفس ما يمتلكه القادة والأنظمة العربية من حساسيات ،وخلافات وتيارات وقناعات متباينة وتعدد تبعى مذهبى وكما يلجأ قادتنا وزعماؤنا العرب لحل خلافاتهم وقضاياهم المعضلة، فإن المثقفين أيضا لا يعرفون سبيلا آخر لحل خلافاتهم التي  لا تسمن ولا تغنى من جوع أساليب مذهلة ومفزعة أن يلجأ إليها المثقفون أو بالأصح بعض المثقفين، لا ينقصها من نموذج الصراع السياسي بين الزعماء إلا الحرب الدموية بالمدافع والطائرات، وقد لا أكون مبالغا إن قلت : لو امتلك بعضهم الجيوش ومعداتها لبدأ بالهجوم العسكرى لاجتياح من يخالفونه الرأى . فلا تلم الأطفال فيه على الرقص إذا كان رب البيت للدف ضاربا.

ولا يستطيع في نظرى أى مثقف اليوم أن يدعو الزعماء العرب للحوار وحل مشاكل شعوبهم بالعقل والمنطق؛ إذ إن المثل القائل « فاقد الشيء لا يعطيه» ينطبق تماما على مثقفينا الذين لا يطيقون التفاهم والتحاور والتعايش مع زملائهم وشركائهم فى أشرف وأفضل مجال وهو الثقافة إننا نعاني عند ما توجه الدعوة للمثقفين بالحضور والمشاركة من انتقاداتهم واعتراضاتهم التي تعبر عن عمق وسعة الشرخ الثقافى نفسيا وفكريا وعلميا في مثقفينا، حقا عجبت من قائلين بتساؤل غاضب : لماذا تدعو الشيوعيين وأصحاب الأفكار الهدامة المنبوذين؟! إنك شيوعى إذن أو تحب الشيوعية .

وما إن أحاول إقناع هؤلاء بأننا نلتقى للتحاور الودى والإفادة من هؤلاء المفكرين، وما لى وما يعتنقون من ملة حتى يفاجئني آخرون بأسئلة أشد وانتقادات أكثر صخبا فيقولون : لماذا تسمح ! لدعاة الأصالة، وأصحاب الفكر الثقافي السلفى الغاضبين – بل المتمردين – على الحداثة بالحضور والتحدث إلى الجمهور، كأنك تشجع تيار الأصالة وترفض الحداثة التي فرضت نفسها على الساحة بشتى الوسائل وأصبحت واقعا لا مشروعا ؟! إنك إذن تتبنى تيار الأصالة البائدة والأصولية العتيقة واللازم ألا تسمح لهذا التيار بالحضور ولا الكلام لكي تكون مقبولا وغير مشكوك فيك وآخرون ممن لم يحالفهم الحظ ويجانبهم التوفيق في إقناع جمهور المنتدى بأفكارهم وتنظيراتهم يذهبون بغضبهم على الجمهور فيكيلون له وابلا من التهم الظالمة ويقذفونه بعدم الفهم أو التحيز أو التعصب .

ولهؤلاء جميعا تحياتى وحبى وثنائى وأدعوهم إلى الإنصاف والعمل على رأب الصدع وإلحام الشرخ الثقافى بأخلاقيات الثقافة ونبل المثقف الواعي، وأن يدركوا أننا نريد الوصول إلى أن يقبل كل منهم الآخر ويجلس إلى جواره ويبتسم في وجهه كأخ له فى الوطن والثقافة، ويجرى الحوار العلمي الهادئ بحكمة وسعة صدر ونخرج أحبابا.

كل منا يقبل جبين الآخر سواء اتفقنا أو اختلفنا وما اختلفنا فيه اليوم سنتفق عليه غداً، وأما منتدى المثقف العربي فهو منبر ثقافي وصوت أدبى يرفض التبعية والشللية والولاءات الحزبية الضيقة ولا بد أن يبقى ملكا لكم أيها المثقفون جميعا كيفما كنتم شركاء فيه كشركتكم في مياه النيل وهواء السماء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى