ليلى عمر
توارثت المجتمعات بعض الأمثال الشعبية التي تزرع الإحباط واليأس من إصلاح النفس البشرية، ومن أخطرها المثل القائل: “يزول جبل ولا يزول طبع” أو “تزحزح جبل ولا تزحزح طبع”. يقوم هذا المثل على افتراض حتمي خاطئ يرى أن الأخلاق والطبائع قوالب جامدة لا تقبل التعديل أو التطوير.
إن طرح مثل هذه الأمثال في واقعنا لا يخدم سوى تهبيط العزائم، والتعجيز النفسي، وتوثيق القيود حول الذات؛ لتبدو وكأنها عاجزة عن النهوض والتطور. غير أن استقراء نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وقواعد علم النفس والتربية، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الإنسان كائن مرن، وأن الطبائع قابلة للتغيير والتهذيب من خلال عملية “التطبع” والمجاهدة المستمرة وفي بدايتها.
بين جمود الجبال وحرية الاختيار الإنساني
إذا تأملنا الحقيقة والبيان الساطع، نجد أن الإنسان لم يُخلق آلة صمّاء، بل كائناً كرمه الله بالقدرة على الاختيار والتمييز. والجبال والجمادات لا عقل لها يوجّهها ولا إرادة، لذلك لم يُخلق لها علم إدارة الذات، ولا تملك خيار التزحزح من مكانها، وهي لا تتزحزح أصلاً بل إما أن تنكسر أو تُهدم.
وإن زعم زاعمٌ أن البشر لا يتزحزحون عن طبائعهم فقد أخطأ الفهم؛ لأن للبشر إرادة قوية وهبها الله الخالق لهم تمكنهم من التغيّر. وبناءً على هذا، فإن الإنسان حين يرفض هذا التغيير لما ينفعه، ويطرح مثل هذه الأمثال للتبرير والتوثيق والتعزيز لنفسه بالجمود، فإنه يبحث عن مسوغات واهية، والله سبحانه وتعالى لا يقبل منه هذه المعاذير، والدليل على ذلك قوله تعالى من سورة القيامة: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾، حيث توضح الآيتان قدرة الإنسان على معرفة حقيقة نفسه وأعماله.
فهذا التأصيل التربوي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الإنسان يستطيع التغيير للأفضل والأحسن، ولا يُقبل له عذرٌ في ترك مجاهدة نفسه وتعهد طباعه، فبالإرادة والمتابعة، تتهذب الطبائع ويغلب التطبعُ الطبعَ عَبْر “المعاهدة”.
جاءت الرسالة الإسلامية أساساً لتقويم السلوك البشري والارتقاء بالأخلاق،
. وفي هذا السياق يقول الرسول ﷺ في الحديث الشريف:
“إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”؛ ومعنى “أتمم” أي: ينميها ويبلغها الكمال والتمام.
كما حث المصطفى ﷺ على العمل والاجتهاد في تحسين السلوك فقال: “حسنوا أخلاقكم”.
وفي هذا توجيه صريح للأمة في النظرية التربوية وأقوال العلماء في السلوك والتزكية؛ بأن الأخلاق مكتسبة وقابلة للتحسين والتهذيب، ورداً قاطعاً على من قال باستحالة تغيير الأخلاق والطبائع وتبين أبرز أطروحاتهم.
وقد أفاض علماء الأمة في تأصيل هذه المرونة النفسية؛ ففي المطلب الأول من تأصيل الإمام ابن القيم في كتابه “مدارج السالكين”، يستنكر الإمام القول بحتمية الطبائع وعدم تغيرها قائلًا:
لو كانت الأخلاق لا تقبل التغير لبطلت الوصايا والمواعظ والزواجر والحدود”.
ويبين ابن القيم أن التغيير قد يكون شاقاً في البداية لما يتطلبه من مفارقة العادات القديمة وفطام النفس عنها، ولكنه ممكن جداً ومتاح عَبْرَ بوابة المجاهدة والصبر.
ومن الأطروحات الهامة أيضاً ما ذكره العلماء (كالإمام الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين)…
تفنيداً لمن يزعم استحالة تغيير الطبع؛
حيث شبهوا ذلك بمن يدعي استحالة ترويض بعض الحيوانات المفترسة. فإذا كان الفهد الوحشي والأسد الضاري يمكن ترويضهما بالتدريب ليصبحا مطيعين خاضعين، فكيف بالنفس البشرية العاقلة التي خلقها الله مهيأة للتكيف والتأقلم مع كل أنواع وتغيرات الحياة والوصول إلى الغايات؟
إن التغيير الشامل قد يحدث أحياناً عَبْرَ ومضة هداية أو بقدرة ربانية تلامس قلب العبد؛ فيتحول من معصية إلى طاعة، ومن غفلة إلى يقظة بين ليلة وضحاها. تماماً كحال المؤمن في ليلة رمضانية تتغير حياته وعاداته بعد أن كان لاهيً مقصراً ،ليصبح طائعاً خاشعا متدبراً عاملاً، وكذلك الحال في ليلة العيد !
يستقبل يوم العيد بروح جديدة مفعمة بالتطلع والفرح مستقبلاً مستجدات حياته بإيجابية ويقين. ولكن استمرار هذا التغيير وثباته مرهونٌ بالمعاهدة والمتابعة الدائمة لكي يغلب التطبعُ الطبعَ، وتنطبع النفس على الخير حتى يصبح سجية لها بأمر الله.
نموذج عملي من التاريخ: إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه
ولعل أبرز دليل عملي واقعي من التاريخ يسحق فكرة “حتمية الطبائع” ويبرهن على أن النفس قادرة على التحول الجذري الشامل في لحظات صدق، هو قصة إسلام الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فقد كان عمر في الجاهلية من أشد الناس قسوة وغلظة على المسلمين، وكان يكره الدين الجديد كراهية شديدة، حاملاً حمية جاهلية شرسة، حتى إنه خرج يوماً متوشحاً سيفه عازماً على التخلص من الرسول ﷺ لينهي هذا الدين تماماً.
وفي طريقه، علم أن أخته فاطمة بنت الخطاب وزوجها قد أسلما، فتوجه إليهما غاضباً، ودخل بيتهما وضرب أخته حتى دميت حرصاً منه على دين آبائه وأجداده. لكن، في وسط تلك الشدة والقسوة، تحركت في نفسه مرونة الوعي الإنساني والتبصر؛ عندما رأى ثبات أخته وطلب أن يقرأ الصحيفة التي كانوا يقرؤونها. فلما قرأ صدر سورة طه: {طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}، لامست الكلمات العظيمة سويداء قلبه، واهتزت أركان تلك النفس الجلمودية ليلين طبعها للحق في لحظة واحدة.
تحول عمر بن الخطاب في لحظات معدودة من أشد أعداء الإسلام بطشاً، إلى الفاروق الذي يفرق الله به بين الحق والباطل، وأصبح بعد ذلك من أرق الناس قلباً عند سماع القرآن، وأعدل حكام المسلمين رحمةً ورأفةً. ثم عاهد نفسه على هذا الدين واستقام عليه حتى صار يُمثّل قمة العدل والرحمة الإنسانية.
إن هذه الشواهد التاريخية والتأصيلات الشرعية والتربوية تسقط تماماً فكرة حتمية الطبائع، وتؤكد أن الإنسان قادر تماماً على التغيير للأفضل والأحسن. فالطبائع ليست قيوداً أبدية، بل هي صفات تتهذب بالتطبع، ويغلبها العبد بمعاهدة نفسه، ولا يُقبل من عاقلٍ أن يعتذر بجمود طبعه أو يتحجج بالمعاذير بعد أن ميزه الله وكرمه وهداه نجدين.












