من البرنامج النووي إلى مضيق هرمز… كيف راهنت طهران على الوقت وأعادت ترتيب الأولويات؟
ضياء الصفار …
ليست كل الحروب تُحسم في ميادين القتال، فبعضها يُحسم على طاولة المفاوضات، وبعضها الآخر يُحسم بإعادة تعريف أهدافه. وعندما تتغير أهداف الحرب أو تتبدل أولوياتها، يصبح السؤال الأهم: من الذي فرض هذا التغيير؟ وهل كان نتيجة تحول في موازين القوة، أم ثمرة إدارة سياسية أكثر قدرة على المناورة؟
هذا هو السؤال الذي تفرضه تطورات المواجهة الأخيرة مع إيران، والتي يبدو أنها انتقلت من صراع يتركز حول البرنامج النووي الإيراني، والقدرات الصاروخية، والنفوذ الإقليمي، إلى نقاش يتركز بصورة أكبر على أمن مضيق هرمز واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
منذ بداية المواجهة، كان البرنامج النووي الإيراني يمثل الهدف الأول والأكثر حساسية في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية. فالقضية لم تكن مجرد امتلاك تكنولوجيا نووية، وإنما الخشية من وصول إيران إلى مرحلة “الدولة النووية” التي تمنحها قدرة استراتيجية جديدة وتغير معادلات القوة في الشرق الأوسط.
وجاء البرنامج الصاروخي الإيراني في المرتبة الثانية من حيث الأهمية، باعتباره يمثل الذراع العسكرية القادرة على إيصال القوة الإيرانية إلى مسافات بعيدة كقاعدة دييغو غارسيا شرقاً والجزر البريطانية غرباً ،ويشكل تهديداً للقواعد الأمريكية في المنطقة ولحلفائها، إضافة إلى ارتباطه الوثيق بأي قدرة نووية مستقبلية.
أما الهدف الثالث فتمثل في الحد من شبكة النفوذ الإقليمي الإيراني، ولا سيما الأذرع المسلحة المرتبطة بطهران في عدد من دول المنطقة كالعراق ولبنان وسوريا واليمن، فضلاً عن خلايا نائمة أخرى في الخليج العربي ودول أخرى، والتي أصبحت إحدى أهم أدوات السياسة الإيرانية في إدارة الصراعات والتأثير في القرار السياسي والأمني لدول الشرق الأوسط.
وبذلك كانت المواجهة، في جوهرها، تدور حول ثلاثة ملفات مترابطة: القدرة النووية، والقدرة الصاروخية، والنفوذ الإقليمي.
غير أن متابعة مسار الأحداث توحي بأن مركز الاهتمام الدولي بدأ يتحول تدريجياً من معالجة أسباب الأزمة إلى احتواء تداعياتها.
فأصبح أمن مضيق هرمز، وحرية الملاحة الدولية، ومنع اتساع رقعة الحرب، في مقدمة الأولويات، بينما تراجع التركيز على الملفات التي كانت تمثل جوهر الخلاف.
وهنا يبرز السؤال الأساسي :هل نجح النظام الإيراني في إعادة ترتيب سلم الأولويات، بحيث أصبح العالم يناقش كيفية حماية مضيق هرمز أكثر مما يناقش البرنامج النووي والصاروخي والنفوذ الإقليمي؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن طهران تكون قد حققت( مكسباً سياسياً مهماً)، ليس بالضرورة عبر انتصار عسكري، وإنما عبر قدرتها على نقل مركز النقاش من معالجة مصادر قوتها الاستراتيجية إلى إدارة نتائج الأزمة.
ففي الصراعات الكبرى، لا يكون النجاح دائماً لمن يحقق أكبر قدر من التدمير، بل لمن ينجح في فرض أجندة النقاش السياسي وتحويل مسار الأحداث بما يخدم مصالحه.
إن أحد أهم عناصر القوة في السياسة الإيرانية هو قدرتها على إدارة الزمن ،فمنذ قيام النظام الحالي عام 1979، أظهرت طهران قدرة واضحة على خوض صراعات طويلة الأمد، وعلى استخدام المفاوضات كأداة سياسية لا تقل أهمية عن الأدوات العسكرية ،وتشير التجارب السابقة إلى نمط يقوم على إطالة أمد التفاوض، وتجزئة الملفات، وإعادة ترتيب الأولويات، وتقديم تنازلات جزئية عندما تقتضي الضرورة، مع الحفاظ على الأهداف الاستراتيجية الكبرى ، وهذا يرتبط بطبيعة الشخصية الإيرانية ك(المكر
والخداع والعناد) . وقد ظهر هذا الأسلوب في ملفات متعددة، من الحرب العراقية الإيرانية، إلى الملف النووي، وصولاً إلى المفاوضات مع القوى الدولية والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومن هذا المنطلق، يرى كثير من المراقبين أن إيران تراهن على عامل الزمن، لأن خصومها غالباً ما يخضعون لضغوط سياسية داخلية ودولية تدفعهم إلى البحث عن نتائج سريعة، بينما تنظر طهران إلى الصراع بمنظور طويل الأمد.
إذا كانت الحرب قد بدأت بهدف منع إيران من امتلاك قدرة نووية استراتيجية، وتقليص برنامجها الصاروخي، والحد من نفوذها الإقليمي، فإن الاكتفاء بضمان أمن مضيق هرمز يثير تساؤلاً حول ما إذا كانت السياسة الأمريكية قد انتقلت من استراتيجية الحسم إلى استراتيجية الاحتواء.
فحماية الملاحة الدولية هدف مهم بلا شك، لكنها لا تعالج جذور الأزمة إذا بقيت عناصر القوة الإيرانية الأساسية قائمة.
ومن هنا يثار النقاش حول طبيعة إدارة المفاوضات والوساطات التي رافقت الأزمة، وما إذا كان التركيز على خفض التصعيد قد أدى عملياً إلى تأجيل الملفات الأكثر حساسية. ويبقى تقييم أدوار مختلف الأطراف والوسطاء مرتبطاً بمدى توفر المعلومات الدقيقة حول طبيعة الاتصالات والمداولات التي جرت خلف الكواليس.
إن فهم السلوك الإيراني لا يمكن أن يعتمد فقط على الحسابات العسكرية والسياسية الآنية، بل يتطلب قراءة طبيعة المشروع الذي تتبناه القيادة الإيرانية ،فإيران تنظر إلى نفوذها الإقليمي وبرامجها الاستراتيجية باعتبارها جزءاً من رؤية طويلة الأمد، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الأبعاد الفكرية والأيديولوجية.
ولهذا فإن أي تسوية تقتصر على وقف التصعيد أو ضمان أمن الملاحة دون معالجة جوهر الملفات الخلافية قد تؤدي إلى تهدئة مؤقتة، لكنها لا تنهي أسباب الصراع.
تثبت تجارب التاريخ أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق النصر السياسي ،فقد تمتلك دولة ما تفوقاً عسكرياً هائلاً، وتحقق نجاحات ميدانية كبيرة، لكنها تفشل في تحقيق الأهداف السياسية التي خاضت الحرب من أجلها.
وقد عبّر الكثير من القادة والمفكرين العسكريين عن هذه الفكرة عندما أكدوا أن الحرب ليست غاية بحد ذاتها، وإنما أداة لتحقيق أهداف سياسية . ولهذا فإن الحكم على نتائج أي حرب لا يكون بعدد الضربات أو حجم الدمار، بل بمدى تحقق الأهداف الاستراتيجية التي أُعلنت عند بدايتها.
فالسؤال الحقيقي ليس: كم هدفاً دُمر؟
بل: هل تغير سلوك الخصم وقدراته وموقعه الاستراتيجي؟
إن القراءة المتأنية لمسار المواجهة توحي بأن إيران لم تعتمد على قوتها العسكرية وحدها، بل وظفت خبرتها الطويلة في إدارة الأزمات، مستثمرة عامل الزمن، وتبديل الأولويات، وإعادة صياغة أجندة النقاش الدولي.
وإذا صح هذا التقدير، فإن طهران تكون قد حققت مكسباً سياسياً مهماً، لأنها نجحت في نقل مركز الاهتمام من معالجة مصادر قوتها الاستراتيجية إلى إدارة تداعيات الأزمة
لكن هذا النجاح، إن تحقق، وهو قصير المدى لا يعني نهاية الصراع، لأن الملفات الأساسية التي كانت سبباً في اندلاع المواجهة لم تُحسم بعد ، فالبرنامج النووي، والبرنامج الصاروخي، وشبكة النفوذ الإقليمي، ما زالت تمثل جوهر الخلاف ، مع إستمراره بنشر الفوضى والعبث بالمنطقة،و سلوكه السلبي . لذلك فإن الحكم التاريخي على نتائج هذه الحرب لن يكون بفتح مضيق هرمز أو استمرار تدفق النفط فقط، وإنما بالإجابة عن السؤال الأهم:
هل أصبحت إيران بعد هذه المواجهة أقل قدرة على تطوير برنامجها النووي، وأضعف في مجالها الصاروخي، وأقل نفوذاً عبر أذرعها الإقليمية؟
فإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن ما تحقق لا يتجاوز إدارة مؤقتة للأزمة، وليس حلاً استراتيجياً لها.
إن أخطر ما في الحروب ليس فقط حجم الدمار الذي تخلفه، بل قدرتها على تغيير الأولويات. ومن ينجح في إعادة تعريف أهداف الحرب قد يحقق مكسباً استراتيجياً حتى من دون انتصار عسكري حاسم.
ولهذا فإن السؤال الذي سيجيب عنه التاريخ ليس فقط: من ربح المعركة؟
بل: من نجح في إعادة تعريف أهداف الحرب؟
29 / تموز / 2026













