كردستان يوسف ضيفة مجلس الحكواتي «حين تتحول الحكاية إلى وطن… ويصبح الشعر ذاكرة لا تنطفئ»

كتب الحوار .فايل المطاعني الحكواتي

هناك كتاب يكتبون عن الحياة، وهناك من يكتبون من قلبها، وعندما يصبح الألم لغة، والنزوح ذاكرة، والوطن قصيدة لا تنتهي، فإننا نكون أمام تجربة تستحق أن تُروى.
ضيفتنا اليوم شاعرة وكاتبة قصصية ومسرحية، حملت الوطن في نصوصها، وجعلت من المرأة والإنسان والحياة محاور لإبداعها، يسعدنا في مجلس الحكواتي أن نستضيف الأديبة السورية الكردية كردستان يوسف، لنقترب من رحلتها الأدبية والإنسانية، ونستمع إلى الحكاية كما عاشتها، لا كما كُتبت.

س1: من هي كردستان يوسف بعيداً عن الألقاب الأدبية؟

ج: أنا امرأة تنظر إلى الحياة من نافذة الروح، بعيداً عن الألقاب، أنا تلك الطفلة التي كبرت في أحضان أسرة كردية في قامشلو، حيث كانت النقاشات حول الوطن والهوية تعمر البيت، أنا أم لثلاثة أبناء وابنتين، تعلمت من الحياة قبل الكتب، أنا كائن يرى في تفتح زهرة في الحوش صلاة خرساء، وفي ارتعاش جناح عصفور جائع نبضاً يسري في شراييني، أنا امرأة اختبرت الوجع والفقد والنزوح، فصنعت من كل خيبة سلماً من ضوء، وتمسكت بأناقتها الداخلية كما تمسكت بفولارها كعلم شخصي، كدليل أن الأنوثة والكبرياء لا ينفصلان عن الروح حتى في أحلك الظروف.

س2: هل كانت الطفولة هي البذرة الأولى للكاتبة، أم أن الحياة هي التي صنعتها؟

ج: الطفولة كانت البذرة التي ألقتها الحياة في تربة خصبة، ثم تعهدتها الحياة نفسها بالمطر والريح والعواصف، في طفولتي، كان الراديو نافذتي الأولى على العالم، وكانت حوارات الكبار في السياسة والتاريخ الكردي أول وقود لخيالي، أرسم بدعم من والدتي، وأكتب أول قصة لي عن الشتاء وبيوت الفقراء والأغنياء، وكأنني كنت أستشعر مبكراً الفروقات الإنسانية، لكن الحياة هي التي صنعت الكاتبة حقاً: الزواج المبكر، الأمومة، ثم النزوح وفقدان المكان والمخطوطات، كل ذلك نحت في روحي أشكالاً لم تكن الطفولة وحدها لتصنعها، لكنها الطفولة التي منحتني الجذور، والحياة التي هبتني الأجنحة.

س3: بدأتِ بالرسم قبل الشعر، فهل ما زالت اللوحة تسكن القصيدة؟

ج: بلا شك، اللوحة تسكن القصيدة بالمعنى الأعمق، الرسم علمني أن أرى، أن أنتبه للتفاصيل الصغيرة، للظل والضوء، للفراغ والامتلاء، أنا لا أرسم الآن بالفرشاة، بل أرسم بالكلمات، نصي الشعري هو لوحة أحاول فيها أن أوازن بين الألوان، فأستخدم مفرداتي كلوحات صغيرة، الصورة الشعرية عندي هي امتداد لتلك اللوحة التي بدأتها في طفولتي بدعم أمي، لكنني انتقلت من التعبير بالخط واللون إلى التعبير بالإيقاع والمعنى، وما زالت عيناي تبحثان في النص عن ذلك التناغم البصري الذي كنت أصنعه على الورق الأبيض.

س4: صنعتِ ثقافتك بالقراءة والاجتهاد الذاتي، فما أهم الدروس التي منحتك إياها الكتب؟

ج: الكتب كانت وطني البديل ومحرابي الذي أركع فيه بخشوع، أهم درس منحني إياه الكتاب هو أن الألم الإنساني واحد، سواء قرأته لدوستويفسكي في روسيا أو لماركيز في أمريكا اللاتينية، علمتني القراءة أن العزلة بالقراءة تتحول إلى فضاء كوني لا حدود له، وأن أكون حراً في فكري قبل أن أكون حراً في جسدي، الكتب منحتني القوة لأقول: “لا يوجد سجن يسع روحاً ملأتها السطور”، ووهبتني الثقة لأقف أمام العالم بثقة بالغة، ليس كهاوية تبحث عن تصفيق، بل كزهرة تعرف أن جمالها شق الصخر بصبر.

س5: ماذا بقي من مدينة سري كانيه في قلب كردستان يوسف، بعد كل ما مر بها؟

ج: لم يبقَ شيء… وبقي كل شيء، فقدت سري كانيه كجغرافيا ومنزل وذاكرة طوبوغرافية، لكنها تحولت في قلبي إلى وشم لا يُمحى، بقيت كإحساس، كرائحة ياسمين بري، وكأول وجع حقيقي، بقيت على هيئة ندبة غائرة في نصوصي، تطل من خلف النوافذ المغلقة، هي المدينة التي علمتني أن الأمكنة لا تسكن في الخرائط، بل في تفاصيل الروح التي لا يصل إليها قصف ولا يمحوها نزوح.

س6: فقدتِ مخطوطة أدبية كبيرة خلال النزوح، هل كان فقدان الأوراق أشد وجعاً أم فقدان المكان؟

ج: الوجعان لا يتنافسان، بل يتضاعف أحدهما بالآخر، فقدان المكان كان بتراً لجزء من روحي، اقتلاعاً لجذوري من الأرض، وفقدان المخطوط كان كأن يسرق أحدهم الذاكرة التي حاولت بها ترميم البيت الأول، تلك الصفحات من المدونات كانت شهوداً على عمري الذي مضى، لكني تعلمت أن الخسارة تُعيد تشكيلنا، فجلست وأعدت كتابة ما تيسر لذاكرتي بروح أعمق ورؤية أوسع، قلت لنفسي: “العواصف لا تقتلع شجرة عروقها مغروسة في السماء”، وفقدان الأوراق كان عاصفة هوجاء، لكنه لم يقتلع جذوري الممتدة في أعماق التجربة.

س7: المرأة النازحة تحضر بقوة في نصوصك، لماذا شعرتِ أن من واجبك أن تكوني صوتها؟

ج: لأنني واحدة منهن، أعيش التفاصيل نفسها ولا أتفرج عليها من بعيد، لم تكن الكتابة عن المرأة النازحة ترفاً أدبياً، بل ضرورة إنسانية وشهادة على عصر، رأيت في عيون النساء من حولي حكايات لم تُروَ، تاريخاً كاملاً يُكتب داخل الخيام وفي صمت الانتظار، شعرت أن ما لا يُكتب عن معاناتهن يموت مرتين: مرة حين يحدث، ومرة حين ينساه الناس، أنا لا أكتب عنهن بصفتي شاعرة، بل بصفتي شاهدة وضحية في آنٍ معاً، أنقل مأساتهن لأحولها من حدث عابر إلى ذاكرة أدبية تبقى وتؤثر، أردت أن أقول لهن: “لستن وحدهن، وهذه الكلمات مرآتكن”.

س8: متى تولد القصيدة لديك؟ وهل تكتبينها أم أنها هي التي تكتبك؟

ج: تولد القصيدة من موقف، من وخزة إحساس، من ألم أو حب لا يسعه الصمت، تبدأ بفكرة تختمر في داخلي حتى تنضج الرؤية، وحينها أكتبها في دقائق كما لو كانت تملى عليّ، في تلك اللحظة، أنا لا أكتبها بقدر ما أكتب أنا بها، هي التي تمسك بيدي وتأخذني إلى معناها، لا العكس، لكن العلاقة لا تنتهي هنا، فأنا أعود إليها بعين الناقد لأصقلها وأدقق مفرداتها، لأتأكد من التوافق بين نبض القلب وإيقاع اللغة، في البدء، هي تكتبني، وفي النهاية، أنا من يمنحها شكلها الأخير.

س9: قلتِ إن الشعر يقول ما تعجز اللغة العادية عن قوله، فما الذي لم تستطع كردستان يوسف أن تقوله إلا بالشعر؟

ج: ما لم تستطع اللغة العادية قوله هو وجع الروح الذي لا شكل له، والحنين الذي لا وجهة له، الشعر وحده استطاع أن يقول حبي لوطن لم يعد موجوداً كما كان، وحزني على غيمة مرت دون مطر، ووجعي على طفولة انتهت باكراً، الشعر وحده استطاع أن يعبر عن الفقد من دون أن يحوله إلى مجرد خبر، وأن يحول الألم الشخصي إلى موسيقى كونية، أنا لم أكتب الشعر لأصف، بل لأخلق واقعاً موازياً يليق بأحلامي، كل ما هو عصي على البوح المباشر، كل ما يختبئ بين الذاكرة والنسيان، لم تجد له روحي لغةً غير الشعر.

س10: بين الشعر والقصة والمسرح… أين تجدين نفسك أكثر؟

ج: أنا أسكن في المسافة الفاصلة بين الشعر والقصة، الشعر هو لغتي الأم، هو النفس الذي أتنفسه في لحظات الصفاء والوجع، لكنني حين أردت أن أروي الحكايات المتشعبة للنساء، وللنزوح، وللذاكرة الجمعية، لم تعد القصيدة تسعني، فذهبت إلى القصة والمسرح، القصة منحتني مساحة للسرد، والمسرح منحني فرصة لتجسيد الصوت والصمت معاً، ولكن إن سألتني عن هويتي الأولى، فأنا شاعرة قبل كل شيء، أحمل الشعر معي إلى الرواية والقصة، فلا يغادر نصوصي أبداً، أنا كائن شعري يكتب السرد، لا العكس.

س11: كيف تحافظين على جمال اللغة وأنتِ تكتبين عن الحرب والفقد والنزوح؟

ج: لأن الجمال في الكتابة عن الألم ليس تزييفاً للواقع، بل هو أعمق أشكال التعبير عنه، أنا لا أرى جمالاً في الحرب، لكني أرى جمالاً في قدرة الإنسان على الصمود، في دمعة أم تخفي حزنها عن أطفالها، في زهرة تنبت قرب خيمة، مهمتي ككاتبة هي التقاط هذا الجمال المخفي ونثره في اللغة، أنا لا أستخدم المفردات كتقارير إخبارية عن الواقع، بل أعيد تشكيلها برؤية فنية تجمع بين الحقيقة والخيال، الجمال عندي هو احترام للألم، هو رفض لأن يكون البشع هو الوجه الوحيد للذاكرة، الكتابة الجمالية عن الفقد هي انتصار صغير للروح على الخراب.

س12: هل ترين أن الأدب قادر على توثيق التاريخ بطريقة قد تعجز عنها الوثائق؟

ج: بالتأكيد، وبجدارة، الوثيقة تخبرك أن مئة ألف شخص نزحوا في تاريخ كذا، أما الأدب فيريك رائحة الخبز في المخيم، وارتعاشة يد أم تحمل طفلها تحت المطر، وصوت بكاء خافت في ليل لا نجوم فيه، الوثائق تحصي، والأدب يشهد ويخلد، قصصي التي كتبتها عن النزوح ليست تقارير إعلامية، بل “شهادات أدبية” تحتفظ بصدق الحدث دون أن تفقد روحها الإنسانية، ما لا تقوله نشرات الأخبار، تقوله القصيدة والقصة والرواية، الأدب هو ذاكرة القلب للتاريخ، وتلك ذاكرة لا تكذب ولا تموت.

س13: الوطن في نصوصك يبدو إنساناً أكثر منه مكاناً… كيف تصفين علاقتك بالوطن اليوم؟

ج: علاقتي بالوطن اليوم هي علاقة عاشقين فرقتهما الحروب، لكنهما لم ينفصلا، لم يعد الوطن لدي مجرد أرض وجبال وأنهار، بل أصبح “إنساناً” أعرفه وأشتاق إليه وأحاوره في نصوصي، هو “السيد النبيل الجميل العالي كطوروس، الدافق مثل دجلة”، وحتى وأنا بعيدة، أحن إلى عاداته الصغيرة، إلى صوته، إلى ذاكرته التي أحملها في حقائب سفري، الوطن في نصوصي هو الفكرة التي لا تموت، هو الحلم الذي يستمر رغم كل شيء، هو لم يعد مكاناً أعيش فيه، بل كياناً يعيش فيّ، وأنا أوثق تفاصيله كي لا يسرقها النسيان.

س14: هل غيّر النزوح أسلوبك في الكتابة، أم كشف صوتك الحقيقي؟

ج: النزوح لم يغيرني بقدر ما جردني من كل ما هو زائد ليكشف عن الصوت العاري، الصوت الحقيقي، عندما تفقد منزلك ومخطوطاتك ومدينتك، تفقد معها الترف الأدبي وتقف وجهاً لوجه أمام السؤال الجوهري: ماذا تريد أن تقول حقاً؟ في البدء، كان الألم شخصياً، لكن مع النزوح، شعرت أن صوتي لم يعد ملكي وحدي، بل أصبح صوتاً جمعياً، اكتشفت أن لدي ما هو أهم من نفسي لأكتب عنه، أصبحت كتاباتي أكثر عمقاً، وأكثر التصاقاً بالحياة والناس، وتحولت من نص يبحث عن الجمال فقط، إلى نص يحمل الجمال والألم معاً، كشهادة على عصر بأكمله.

س15: تعملين حالياً على رواية امرأة في حضرة الصقيع والرماد، ماذا يمكن أن تكشفي لقراء مجلس الحكواتي عنها؟

ج: “امرأة الصقيع والرماد” ليست سيرتي الذاتية، لكنها ظلال سير لجيل كامل من النساء، هي رواية عن الزمن أكثر مما هي عن أشخاص، بدأت الحكاية حين أعادتنا وسائل التواصل إلى بعضنا بعد أربعين عاماً من التشتت، أنا ورفيقات الطفولة، كل واحدة حملت حقيبتها ومضت في اتجاه: منا من بقيت قرب الأرض، ومنا من ابتلعها الاغتراب، اكتشفت أننا نروي الحكاية نفسها بوجوه مختلفة؛ حكاية الحب الذي هزمته الظروف، والبيوت التي انهارت، والأحلام التي لم تمت رغم أنها لم تتحقق، إنها روايتي الأولى وربما الأخيرة، أحمل فيها الشعر معي إلى السرد، لأخلق بطولات للنساء العاديات اللواتي كن وما زلن ملح الأرض.

س16: ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الجيل الجديد من الكتّاب، ولا سيما الشاعرات؟

ج: رسالتي هي: “اجعلوا من العزلة مصنعاً للذات، ولا تخافوا الصمت”، على الكاتبة الشابة ألا تندفع نحو الضوء قبل أن تنضج في العتمة، اقرؤوا بنهم، واكتبوا بصمت، وثقوا بأناقتكم الداخلية والخارجية، لا تكتبوا لتنالوا رضى أحد، ولا لتملأوا فراغ المنصات، بل لأن لديكم ما تقولونه ولا يستطيع غيركم قوله، كل امرأة تنشر نصها الصادق، تمنح الأخريات إذناً ضمنياً بالكتابة، وتزرع بذرة ثورة صامتة، لا تخشين الفشل أو الانتقاد، فالكلمة الحقيقية لا تصنع تحت الأضواء السريعة، بل في عمق الروح، وكل جملة تكتبينها بإخلاص هي خطوة نحو تحرير صوتك وصوت غيرك.

س17: لو طلبنا منك اختيار عمل واحد من أعمالك ليبقى بعد مئة عام، فأي عمل ستختارين؟ ولماذا؟

ج: سأختار مجموعتي القصصية “حين تزهر الخيام”، لأنها ليست كتاباً فقط، بل أرشيف حي لذاكرة النزوح، الخيمة فيها تحولت من مجرد مأوى مؤقت إلى رمز إنساني مكثف، يضم تحته كل أحلامنا وآلامنا وهواجسنا، إنها شهادتي على عصر لم نعشه نحن فقط، بل عاشته أمهاتنا وأطفالنا، هذا الكتاب يحمل هموم النساء حين تنهار المدن من حولهن، ويوثق لحظات الصمت والانكسار والأمل الهش، لو بقي شيء واحد ليقول للأجيال القادمة “انظروا ماذا حدث لنا، وكيف صمدنا”، فستكون هذه المجموعة، لأنها تنبض بوجع حقيقي وبإنسانية عميقة، وهي الأقدر على ملامسة قلب قارئ المستقبل.

س18: من الكاتب أو الشاعر الذي ما زلتِ تعودين إليه كلما احتجتِ إلى إلهام جديد؟

ج: أعود إلى أكثر من صوت، لكن أكثرهم حضوراً في مملكتي الشعرية هو محمود درويش كلغة شعرية و شيركو بيكس الشاعر الكردي الراحل الذي قرأته بالعربية مترجما من لغته الكردية الجميلة كمدرسة تعلمت فيها كيف أترجم الصور المنعكسة على مرايا المجتمع إلى قصائد تنبض بالحياة، وكيف يكون في صدر الشاعر وتر مشدود بين سماء الروح وأرض المنفى، أعود إليه ليس لأستلهم أفكاره، بل لأتذكر دائماً أن الجرح يمكن أن يتحول إلى موسيقى، وأعود إلى سحر ماركيز لأتذكر أن الواقع أغرب من الخيال، وألتجئ إلى نزار قباني لأتعلم أن الحب ثورة صغيرة يمكن أن تهدم أسوار العالم، كل منهم يشعل في داخلي جذوة مختلفة، ويمدني بالطاقة لأكمل طريقي.

س19: بعد هذه الرحلة الطويلة مع الإبداع، ما الحلم الذي ما زالت كردستان يوسف تسعى إلى تحقيقه؟

ج: حلمي لم يعد شخصياً بحتاً، حلمي الأكبر الآن هو أن أرى تلك المخطوطات التي مازالت حبيسة الأدراج ترى النور، أن أرى “وليمة الفراشات” و”ممرات ضيقة” ومسرحياتي مطبوعة بين يدي القراء، أحلم بترجمة أوسع لنصوصي ليعرف العالم أكثر عن مأساة شعبي وحكايا نسائنا، لكن الأهم، أحلم بأن تكون كلماتي قد صنعت فرقاً، بأن تكون قصة واحدة مما كتبت قد مدت جسراً لامرأة أخرى كي تعبر من الظل إلى النور، أحلم بأن تستمر الكلمة التي أزرعها لتثمر بعد رحيلي، لأن وجودي في ذاكرة الناس عبر الحرف هو الانتصار الوحيد والدائم على الفناء والنسيان.

س20 : لو تحولت حياتك إلى حكاية يرويها الحكواتي بعد خمسين عاماً، فما الجملة التي تتمنين أن يبدأ بها تلك الحكاية؟

ج: أتمنى أن يبدأ الحكواتي حكايتي قائلاً:
“في البدء، كانت طفلة كردية تبحث عن وطن، فلم تجده لا في الجغرافيا ولا في الخرائط، فقررت أن تصنعه بنفسها من ضوء الكلمات”.
فهذه الجملة تختصر كل شيء، تختصر معنى أن تكون الكتابة فعلاً وجودياً، وأن يصبح الحرف هو البيت الأخير الذي لا يهدمه نزوح ولا يمحوه زمن.

كلمة توجهها الأديبة كردستان يوسف لقراء مجلس الحكواتي؟

أشكركم من أعماق قلبي على هذا الحوار الذي أعادني إلى محطات روحي، أقول لكم: إن الحياة قد تبدو قاسية، وقد تضيق بنا الدروب حد الاختناق، لكن في داخل كل واحد منا قوة هائلة على الخلق والتحليق، لا تستهينوا بقوة الكلمة، ففيها الخلاص، وفيها الذاكرة التي تقاوم النسيان، اقرؤوا لتعيشوا حيوات متعددة، واكتبوا لتتركوا أثراً، ثقوا أن كل جرح يمكن أن يتحول إلى قصيدة، وأن كل خيمة يمكن أن تزهر، ابقوا قريبين من إنسانيتكم، ومن أحلامكم الأولى مهما عصفت بكم الرياح.

شكراً للأديبة كردستان يوسف على هذا اللقاء الثري الذي حمل إلينا حكاية إنسانة آمنت بأن الكلمة قادرة على مقاومة النسيان، وأن الأدب يستطيع أن يحفظ ذاكرة الإنسان والوطن معاً.
كان معكم مجلس الحكواتي… حيث لكل مبدع حكاية، ولكل حكاية روح تستحق أن تُروى.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24