الإنصات… لغة الأرواح وحديث القلوب

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

حين خلق الله الإنسان، منحه أذنين ولسانًا واحدًا، وكأن في هذا الترتيب رسالةً خالدة تقول: استمع أكثر مما تتحدث. فالإنصات ليس مجرد وظيفة تؤديها الأذن، بل هو عبادةٌ يؤديها القلب، وأدبٌ يمارسه العقل، واحترامٌ يقدمه الإنسان لمن أمامه.

ولعل أكثر ما يفتقده عالمنا اليوم ليس كثرة المتحدثين، بل ندرة المنصتين. فالأصوات تعلو في المجالس، والكلمات تتدفق في وسائل التواصل الاجتماعي، والآراء تتزاحم بلا نهاية، بينما أصبحت الأذن الصادقة التي تنصت لتفهم، لا لترد، عملةً نادرة في زمن الضجيج.

لقد أدركت الحضارات القديمة قيمة الإنصات قبل أن تكتشف علوم النفس والاتصال الحديثة أسراره. فكان الحكماء في اليونان والصين والهند يعدّون حسن الإصغاء أول درجات الحكمة، وكان الفيلسوف اليوناني إبكتيتوس يقول: “لدينا أذنان ولسان واحد، لكي نستمع ضعف ما نتكلم.” وهي حكمة بقي معناها حيًا عبر القرون، لأنها توافق فطرة الإنسان.

غير أن الإسلام سبق الجميع في بناء ثقافة الإنصات، فلم يجعله مهارة اجتماعية فحسب، بل جعله خلقًا إيمانيًا، وربطه بالهداية والعلم والرحمة.

قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18].

فتأمل كيف بدأ الطريق بالاستماع، ثم بالتفكر، ثم بالاختيار، ثم بالعمل. فالاستماع وحده لا يكفي، وإنما الإنصات الواعي هو الذي يقود إلى الهداية.

وقال سبحانه:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].

فجمع الله بين الاستماع والإنصات، لأن الاستماع قد يكون سماعًا للصوت، أما الإنصات فهو حضور القلب والعقل معًا. ولهذا كانت الرحمة ثمرةً للإنصات.

وكان رسول الله ﷺ مدرسةً عملية في حسن الإنصات. فقد كان يُقبل على محدثه بكامل اهتمامه، ولا يقاطعه حتى يُتم حديثه، ويشعر كل من يجلس إليه أنه أهم إنسان في المجلس. ولم يكن هذا مجرد حسن خلق، بل كان منهجًا في بناء النفوس وكسب القلوب.

ولذلك لم يكن الصحابة رضي الله عنهم يتعلمون من كلماته فقط، بل من طريقة استماعه أيضًا. فالإنسان لا يشعر بقيمته عندما يسمع الثناء، بقدر ما يشعر بها عندما يجد من ينصت إليه باحترام.

واليوم، تؤكد الدراسات الحديثة في علم النفس والاتصال أن الإنصات الفعّال هو أساس القيادة الناجحة، والتربية الحكيمة، والحياة الزوجية المستقرة، والعمل الجماعي المثمر. فالمدير الذي ينصت لموظفيه يكسب ولاءهم، والمعلم الذي ينصت لطلابه يزرع فيهم الثقة، والطبيب الذي ينصت لمريضه يقترب من تشخيص أدق، والوالدان اللذان ينصتان لأبنائهما يغلقان أبوابًا كثيرة من المشكلات قبل أن تُفتح.

لكننا، مع الأسف، نعيش زمنًا أصبح فيه كثير من الناس يسمعون ليجيبوا، لا ليفهموا. يقاطعون قبل اكتمال الفكرة، ويكوّنون الأحكام قبل اكتمال الصورة، وينشغلون بإعداد الرد أكثر من اهتمامهم بفهم المتحدث.

وهنا يكمن الفرق بين السماع والاستماع والإنصات.

فالسماع قد يحدث بلا قصد، كصوت الريح أو هدير السيارات.

أما الاستماع فهو توجيه الأذن إلى الصوت باهتمام.

وأما الإنصات فهو أرقى المراتب؛ إذ يجتمع فيه حضور الأذن، والعقل، والقلب، مع احترام المتحدث، وفهم مقصده قبل الحكم على كلامه.

ولهذا كان لكل مقام مقال، ولكل حديث وقت، ولكل متحدث مفتاح. فليس الإنصات أن تلتزم الصمت فقط، بل أن تمنح من أمامك شعورًا بأنه مسموع، وأن رأيه محل تقدير، حتى وإن اختلفت معه.

ولعل أعظم ما يفسد العلاقات الإنسانية ليس سوء الكلام وحده، بل سوء الإصغاء. فكثير من الخلافات الزوجية، والمهنية، والاجتماعية، لم تبدأ بسبب الكلمات، وإنما بسبب أن أحد الطرفين لم يشعر يومًا أن الآخر أنصت إليه حقًا.

وفي زمن التواصل الاجتماعي، ازدادت الحاجة إلى الإنصات أكثر من أي وقت مضى. فقد منحتنا التقنية القدرة على أن نتحدث مع آلاف الناس في لحظات، لكنها لم تعلمنا كيف نصغي إلى شخص واحد بصدق. ولهذا كثرت المناقشات، وقلَّت الحوارات، وارتفعت الأصوات، وانخفض مستوى الفهم.

إن الكاتب الحقيقي لا يبدأ قلمه من الورقة، بل يبدأه من أذنه. والقائد لا يقود الناس بما يقول فقط، بل بما يسمع. والمربي لا يغير أبناءه بكثرة النصائح، وإنما بقدرته على الإصغاء إلى مخاوفهم وأسئلتهم وأحلامهم.

ولعل أجمل ما نختم به أن الإنصات ليس ضعفًا، ولا استسلامًا، ولا قلة معرفة، بل هو قوة العقل، واتزان النفس، ورقي الأخلاق. فالإنسان الذي يجيد الإنصات يملك فرصة أن يتعلم في كل مجلس، أما الذي لا يريد إلا أن يتحدث، فلن يسمع إلا صدى صوته.

فلنجعل للإنصات نصيبًا من أيامنا، وللناس حقًا في أن يجدوا آذانًا تسمعهم قبل أن يجدوا ألسنةً تجيبهم. فكم من قلبٍ أُحيي لأنه وجد من ينصت إليه، وكم من إنسان تبدلت حياته لأنه شعر، لأول مرة، أن أحدًا لم يسمع صوته فقط… بل سمع قلبه.

إن أعظم الحديث لا يبدأ بالكلام… وإنما يبدأ بالإنصات.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24