بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
حين تقترب من نزوى، تشعر وكأنك لا تدخل مدينةً عادية، بل تعبر بوابةً واسعة إلى تاريخ عُمان بأكمله. هناك، بين واحات النخيل الممتدة وسفوح الجبل الأخضر الشامخة، تقف قلعة نزوى كعملاقٍ من الحجر والطين، تراقب الزمن منذ قرون طويلة، شاهدةً على أمجاد الأئمة والعلماء، وعلى قصص الرجال الذين صنعوا تاريخ هذا الوطن.
نزوى ليست مجرد ولاية من ولايات سلطنة عُمان، بل هي مدينةٌ ارتبط اسمها بالعلم والإمامة والحضارة. كانت في مراحل كثيرة من التاريخ عاصمةً سياسيةً ودينيةً للبلاد، ومقصداً للعلماء وطلاب المعرفة، حتى أصبحت تُعرف بين العُمانيين بأنها “بيضة الإسلام” وواحدة من أهم الحواضر العلمية في الجزيرة العربية.
وفي قلب هذه المدينة العريقة ترتفع قلعة نزوى، الحصن الذي ظل لقرون رمزاً للقوة والحكمة معاً. فمن فوق أبراجها كانت تُدار شؤون البلاد، وتُتخذ القرارات المصيرية، وتُراقب الطرق التجارية القادمة من مختلف أنحاء عُمان.
شُيّدت القلعة في عهد الإمام سلطان بن سيف اليعربي في القرن السابع عشر الميلادي، بعد أن نجح اليعاربة في توحيد البلاد وطرد البرتغاليين من السواحل العُمانية. وقد استغرق بناء القلعة اثني عشر عاماً كاملة، وهو زمن يعكس ضخامة المشروع ودقته الهندسية، حتى أصبحت واحدة من أعظم القلاع العسكرية في تاريخ عُمان.
وأول ما يلفت النظر في القلعة برجها الدائري العملاق الذي يعد من أشهر المعالم المعمارية في السلطنة. يرتفع البرج شامخاً فوق المدينة، وقد صُمم ليكون حصناً دفاعياً بالغ القوة، بجدران سميكة وأساسات عميقة قادرة على مقاومة الهجمات والمدافع التي كانت تمثل أحدث وسائل الحرب في ذلك العصر.
ولم تكن عبقرية البنّاء العُماني تتجلى في الحجم وحده، بل في التفاصيل المدهشة أيضاً. فقد احتوت القلعة على ممرات ضيقة ومتاهات دفاعية وأبواب ثقيلة ومصائد سرية وفتحات للرماية، إضافة إلى منافذ كانت تستخدم لإسقاط الماء المغلي أو الزيت على المهاجمين أثناء الحصار. وكانت المدافع موزعة حول البرج لتمنح الحصن قدرةً هائلة على الدفاع عن المدينة من جميع الجهات.
ومن أعلى القلعة، يمتد المشهد الساحر على مدينة نزوى بأكملها؛ ترى مزارع النخيل التي تحيط بالمدينة كالسوار الأخضر، وتلمح المآذن القديمة والأسواق التاريخية والجبال التي تعانق الأفق البعيد. هناك يدرك الزائر لماذا كانت نزوى هدفاً لكل من أراد السيطرة على الداخل العُماني، ولماذا كانت في الوقت نفسه عصيةً على الانكسار.
وإذا كانت القلعة تمثل القوة، فإن سوق نزوى يمثل روح الحياة في المدينة. فمنذ مئات السنين، ظل السوق مركزاً نابضاً بالحركة والتجارة واللقاءات الاجتماعية. وما زال حتى اليوم يحتفظ بسحره القديم؛ حيث تختلط أصوات الباعة بروائح البخور واللبان والقهوة العُمانية، وتعرض فيه الصناعات التقليدية التي اشتهرت بها الولاية جيلاً بعد جيل.
وفي أروقة السوق، تتجلى مهارة الحرفي العُماني في أبهى صورها. فهناك المشغولات الفضية التي اشتهرت بها نزوى، والخناجر العُمانية المنقوشة بدقة، والسعفيات، والفخار، والمنسوجات التقليدية، والحلوى العُمانية التي أصبحت جزءاً من هوية المكان وذاكرته. ويشعر الزائر وهو يتجول بين الدكاكين القديمة وكأنه يسير في متحفٍ حيٍّ ما زال ينبض بالحياة.
أما الجانب الأهم في تاريخ نزوى، فهو إرثها العلمي العظيم. فقد كانت المدينة موطناً لكبار علماء عُمان وفقهائها وقضاتها، ومركزاً للمدارس العلمية وحلقات التعليم. ومن مساجدها ومجالسها خرج علماء أثروا الفكر الإسلامي بمؤلفاتهم واجتهاداتهم، وأسهموا في نشر العلم في أرجاء البلاد وخارجها.
ولم تكن الإمامة العُمانية مجرد نظام حكم في نزوى، بل كانت مدرسةً في القيادة والعدالة والشورى. ولهذا ارتبط اسم المدينة بتاريخ الأئمة الذين جعلوا من العلم أساساً للحكم ومن الأخلاق منهجاً للإدارة، فصارت نزوى رمزاً للهوية العُمانية الأصيلة.
وعلى امتداد القرون، شهدت المدينة أحداثاً جساماً وصراعات وتحولات سياسية كبيرة، لكن قلعتها بقيت واقفةً كالجبل، تتحدى الزمن والعواصف. كانت ترى الأجيال تتعاقب، وتسمع أصوات المؤذنين والعلماء والجنود والتجار، بينما تستمر في أداء دورها كحارس أمين لذاكرة الوطن.
واليوم، يقف الزائر أمام قلعة نزوى فلا يرى مجرد مبنى أثري، بل يرى قصة أمة كاملة. يرى حجارةً تحولت إلى صفحات تاريخ، وأبراجاً أصبحت شاهدة على حضارة عريقة، ومدينةً استطاعت أن تجمع بين السيف والقلم، وبين القوة والعلم، وبين الأصالة والتجدد.
وحين تغيب الشمس خلف الجبال، ويلقي المساء بظلاله على البرج الدائري العظيم، تبدو قلعة نزوى وكأنها تهمس لكل من يراها:
*”هنا سكن العلم، وهنا قامت الإمامة، وهنا ظلّت عُمان عصيةً على النسيان.”*
فستبقى نزوى، ما بقي التاريخ، مدينة العلم والإيمان، وستبقى قلعتها الشامخة حصناً للمجد العُماني، ورمزاً لوطنٍ كتب اسمه بين صفحات الحضارة بحروفٍ من نور.
المصادر التاريخية حول بناء القلعة في عهد الإمام سلطان بن سيف اليعربي، واستغراق بنائها 12 عاماً، ودورها كحصن دفاعي ومركز للإمامة والإدارة مستندة إلى مراجع متخصصة عن قلعة نزوى وتاريخها.













