بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
ليست الكلمات مجرد أصواتٍ تخرج من الأفواه، ولا حروفًا تُكتب على الشاشات، بل هي رسائل تحمل أرواح أصحابها، وتكشف ما في القلوب قبل أن تُظهر ما في العقول. ولعل أعظم ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات قدرته على التعبير، واختياره للكلمة التي يبني بها إنسانًا، أو يهدم بها إنسانًا.
ولذلك لم يكن عجيبًا أن يجعل الإسلام *الكلمة الطيبة صدقة*، فهي صدقة لا تُنقص مالًا، لكنها قد تُغني قلبًا، وتُداوي جرحًا، وتُعيد الأمل إلى نفسٍ أوشكت أن تنكسر.
إن الكلمة الطيبة ليست مجاملة فارغة، ولا تملقًا، وإنما هي حسن اختيار اللفظ، ورقة الأسلوب، وصدق النية. فكثير من الناس يملكون الحقيقة، لكنهم يخسرونها بسبب قسوة العبارة، وآخرون يربحون القلوب بحكمة التعبير، حتى وإن خالفهم الناس الرأي.
ولذلك جاء التوجيه الإلهي لموسى وهارون عليهما السلام، وهما ذاهبان إلى أعتى طغاة الأرض، فرعون، بقوله تعالى:
*﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾* [طه: 44].
فإذا كان الله يأمر باللين مع فرعون، فكيف بمن هم دون فرعون؟ وكيف بأقرب الناس إلينا من والدين، وزوجة، وأبناء، وزملاء، وأصدقاء؟
لقد أدرك الحكماء منذ القدم أن الكلمة مفتاح القلوب، وأن لكل إنسان بابًا يدخل منه، ولذلك قالوا: **لكل مقامٍ مقال**. فليس كل ما يُقال صحيحًا أن يُقال في كل وقت، وليس كل حقٍ يُطرح بالطريقة نفسها، فالحكمة ليست في معرفة الكلام فقط، وإنما في معرفة متى يُقال، وكيف يُقال، ولمن يُقال.
وفي زمن التواصل الاجتماعي، أصبحت الكلمة تسافر أسرع من الريح، وتصل إلى آلاف الناس في ثوانٍ معدودة. وأصبح الإنسان يكتب تعليقًا وهو في لحظة غضب، ثم يعجز عن استرجاع أثره سنوات طويلة.
لقد قرّبت وسائل التواصل المسافات، لكنها في كثير من الأحيان أبعدت القلوب؛ لأن بعض الناس يظنون أن الشاشة تُسقط عنهم مسؤولية الكلمة، فيكتبون ما لا يجرؤون على قوله وجهًا لوجه. فينتشر التجريح، والسخرية، والتنمر، وإطلاق الأحكام، حتى أصبحت الكلمات سهامًا تصيب القلوب قبل العيون.
والعجيب أن الإنسان قد يقضي سنوات يبني سمعته وأخلاقه، ثم يهدمها في دقائق بسبب كلمات كتبها دون تفكير.
إن اختيار الكلمة المناسبة أصبح اليوم مهارة لا تقل أهمية عن العلم نفسه. فالمعلم يحتاجها، والقائد يحتاجها، والكاتب يحتاجها، والزوج يحتاجها، والأب يحتاجها، بل حتى البائع والمشتري يحتاجان إليها.
وليس المقصود أن نجامل الناس على حساب الحق، وإنما أن نقدم الحق في أجمل صورة، وأن نختار من الألفاظ ما يفتح القلوب بدل أن يغلقها. فكم من نصيحة رفضها الناس لقسوة أسلوبها، وكم من كلمة لطيفة غيّرت حياة إنسان بأكملها.
ولذلك فإن الإنسان الحكيم يسأل نفسه قبل أن يتكلم أو يكتب:
* هل هذه الكلمة حق؟
* هل هذا هو الوقت المناسب؟
* هل هذا هو الشخص المناسب؟
* وهل أسلوبي سيصلح أم سيفسد؟
فإذا اجتمعت هذه الأسئلة مع صدق النية، خرجت الكلمة نورًا يهدي، لا نارًا تحرق.
وقد شبّه القرآن الكلمة الطيبة بالشجرة المباركة فقال تعالى:
*﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾* [إبراهيم: 24-25].
فالكلمة الطيبة لا تموت، بل تبقى آثارها في النفوس كما تبقى الشجرة المباركة تثمر عامًا بعد عام. ورب كلمة قالها إنسان ثم نسيها، لكنها بقيت في قلب من سمعها عمرًا كاملًا.
فلنجعل كلماتنا أبوابًا للمحبة، وجسورًا للتسامح، ووسائل للإصلاح، لا معاول للهدم. ولنتذكر دائمًا أن الإنسان قد يُنسى شكله، ويُنسى ماله، ويُنسى منصبه، لكن الناس لا ينسون أبدًا كيف جعلتهم كلماته يشعرون.
فالكلمة الطيبة ليست مجرد حروف… إنها أخلاق، ورسالة، وصدقة، وطريقٌ مختصرٌ إلى القلوب.














