عندما تُغتال روح الكرة

بقلم المستشار/ فادي حسين محمد أبو شاويش
فلسطين ـ غزة  7/7/2026
لم تعد صافرة البداية في ملاعب العالم تعني فقط انطلاق مباراة، ولم يعد المستطيل الأخضر مساحة منفصلة تمامًا عن نبض السياسة وقضايا الشعوب. فخلف الأهداف والهتافات والأعلام، يقف سؤال كبير يفرض نفسه بقوة: هل ما زالت كرة القدم ملكًا للجماهير، أم أصبحت جزءًا من صراعات النفوذ والمصالح الدولية؟
كان كأس العالم دائمًا أكثر من بطولة رياضية؛ كان حلمًا إنسانيًا يجمع الملايين، ومشهدًا عالميًا تتوقف فيه الخلافات للحظات أمام سحر اللعبة. كانت الكرة لغة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة، وكان الملعب المكان الذي ينتصر فيه الأداء والانضباط والموهبة، بعيدًا عن قوة الدول وموازين السياسة.
لكن عالم اليوم تغيّر، وأصبحت الرياضة تعيش اختبارًا حقيقيًا أمام تمدد السياسة إلى تفاصيلها. فالجماهير لم تعد تراقب النتائج فقط، بل أصبحت تطرح أسئلة حول استقلالية القرارات الرياضية، وحول ما إذا كانت المعايير تُطبق على الجميع بالقدر نفسه بعيدًا عن تأثير الدول الكبرى ومصالحها.
ورغم تأكيد الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” على مبدأ استقلال الرياضة، فإن الواقع يثبت أن كرة القدم أصبحت جزءًا من المشهد العالمي بكل تعقيداته، خصوصًا عندما ترتبط بالمواقف الإنسانية والقضايا العادلة التي تشغل ضمير الشعوب.
وفي هذا السياق برز الجدل الذي رافق موقف الكابتن حسام حسن، وما ارتبط بظهور علم فلسطين ضمن مواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، حيث تحول موقف رياضي وإنساني إلى موضوع واسع للنقاش. ولم يعد الأمر متعلقًا بشخصية رياضية فقط، بل أصبح نموذجًا يعكس التحدي الذي يواجه الكثير من الرياضيين عندما تتقاطع الشهرة الرياضية مع القضايا الوطنية والإنسانية.
فالرياضي ليس آلة داخل الملعب، بل إنسان يحمل مشاعر وانتماءً ورؤية تجاه ما يحدث حوله. والتعبير عن التضامن مع حقوق الشعوب وقضايا الإنسان لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره خروجًا عن روح الرياضة، لأن الرياضة في جوهرها تقوم على قيم العدالة والكرامة والاحترام.
لكن في المقابل، فإن حماية الرياضة تتطلب وضوحًا في المعايير، وعدالة في تطبيق القوانين، حتى لا تتحول الملاعب إلى ساحات لمعاقبة المواقف أو مكافأة النفوذ. فالخطر الحقيقي ليس في أن يحمل الرياضي موقفًا إنسانيًا، بل في أن تفقد المؤسسات الرياضية استقلالها وثقة الجماهير بها.
إن الجماهير حول العالم لا تريد أن تُحرم من جمال اللعبة بسبب الصراعات السياسية، ولا تريد أن تصبح البطولات الكبرى رهينة للتجاذبات الدولية. إنها تريد منافسة عادلة، وقوانين واحدة، وقرارات تُبنى على أسس رياضية واضحة، تحفظ للعبة مكانتها وهيبتها.
إن قوة كرة القدم لم تكن فقط في الملايين الذين يشاهدونها، بل في قدرتها على جمع المختلفين حول لحظة إنسانية واحدة. ولهذا فإن الدفاع عن استقلال الرياضة ليس دفاعًا عن مباراة أو بطولة فقط، بل دفاع عن مساحة نادرة يستطيع فيها البشر أن يلتقوا رغم اختلافاتهم.
ويبقى السؤال أمام العالم: هل ستنجح الرياضة في حماية روحها من صراعات السياسة؟ أم ستسمح بأن تتحول أجمل لعبة في العالم إلى ساحة أخرى للخلافات؟
فالكرة خُلقت لتوحد الشعوب… فلا تجعلوا السياسة تُغتال روحها.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *