وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
ثمة لحظات في تاريخ الدول لا يصبح فيها الخبر هو القضية، وإنما تصبح طريقة الوصول إليه جزءًا من صناعة المستقبل. لذلك في الدول الخارجة من الحروب لا تبدأ معركة التعافي بإعادة بناء الطرق والجسور فحسب، بل تبدأ بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وهنا يتحول الإعلام من وسيط لنقل الأخبار إلى شريك في صناعة التعافي، عبر الانتقال من تغطية ساحات القتال إلى قراءة خرائط الإنتاج والتنمية.
ومن هذا المنظور، تكتسب القافلة الإعلامية التي نظمها “مركز عنقرة للخدمات الصحفية” مطلع الأسبوع، إلى ولايتي الجزيرة والنيل الأزرق دلالةً تتجاوز النشاط الصحفي، لتصبح نموذجًا لصحافة الميدان خارج غرف الأخبار، كإحدى أدوات الوعي بإعادة الإعمار.
تكمن أهمية المبادرة في أنها أعادت الاعتبار للصحافة الميدانية في مرحلة تتطلب رؤية الواقع كما هو، بعيداً عن الانطباعات والجدل المتداول على منصات التواصل الاجتماعي. فزيارة الوفد التي شملت مشروع الجزيرة، ولاية النيل الأزرق، تحمل رسالة بالغة الأهمية، بأن أولويات السودان بعد الحرب يجب أن تتحول من إدارة الصراع إلى إدارة الموارد، ومن متابعة الحرب إلى متابعة جبهات الإنتاج والخدمات.
وتكشف الزيارة عن تحول في مفهوم الإعلام التنموي، إذ لم تعد وظيفة الصحفي الاكتفاء بتغطية الأحداث، بل المساهمة في بناء الثقة، وفتح قنوات الحوار بين الحكومة والمواطنين، ونقل الوقائع الميدانية التي تساعد صناع القرار على تصحيح السياسات. لذلك جاءت رسالة الأستاذ جمال عنقرة بأن المبادرة “مبادرة الصحفيين” تأكيداً لإستقلال الدور الوطني للإعلام، وأن الصحافة شريك في التنمية وليس متلقٍ للمعلومات.
وفي الجانب الآخر، حملت لقاءات الوفد مع حكومة ولاية الجزيرة وإدارة مشروع الجزيرة رسائل سياسية وتنموية مهمة. فقد قدمت مؤشرات على تعافي البنية الزراعية ومنظومة الري، مع تأكيد استقرار الإمداد المائي، واستمرار أعمال التأهيل والصيانة، وإدخال تقنيات حديثة، والتوسع في زراعة القطن والقمح والذرة، وهي جميعها مؤشرات تعكس إرادة جادة لاستعادة عافية المشروع في دعم الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.
وفي بريد صانع القرار، تبقى شهادة المزارعين هي الرسالة الأكثر أهمية فاستعادة قنوات الري والبنية التحتية، رغم ضرورتها، لا تكفي ما لم تُترجم إلى قدرة حقيقية على الإنتاج. فالتحديات المتمثلة في ارتفاع تكاليف المدخلات، وتعثر التمويل، وتراكم الديون، تستدعي تدخل حكومي يتجاوز المعالجات المؤقتة نحو رؤية تضمن بقاء المنتج في دائرة العطاء. فالتعافي لا يُقاس فقط بعودة المياه إلى الترع، بل بعودة الثقة إلى الحقل، لأن نجاح الدولة في هذه المرحلة يُختبر عند المزارع قبل أن يظهر في التقارير.
وقد كشفت الجولة الميدانية للوفد الصحفي أن معركة التعافي لا تُختزل في الحقول وحدها، بل تمتد إلى استعادة الصحة والإعلام والثقافة، حيث تؤكد عودة المؤسسات الحيوية أن بناء ما بعد الحرب يبدأ بإحياء الإنسان ومؤسسات الدولة، لأن الأمن الوطني لا يقوم على الغذاء وحده، وإنما على وعيٍ وخدماتٍ وهويةٍ تستعيد عافيتها.
ثم جاء انتقال القافلة إلى النيل الأزرق محطةً ثانية ذات دلالة مهمة، فالإقليم الذي ارتبط طويلًا بالنزاع، قدّم هذه المرة صورة مختلفة عنوانها الاستقرار والتعافي. حيث أعلن الوالي الفريق أحمد العمدة بادي استتباب الأمن وعودة الناس، لخص ذلك رسالة سياسية بأن تثبيت السلام يجب أن يتحول إلى بوابة للتنمية وإعادة بناء الدولة. وفي هذا السياق، يتأكد دور الإعلام المهني في مواجهة التضليل، واستعادة الثقة، وترسيخ الوعي بوحدة البلاد، وهي الرسالة التي جسدتها القافلة من خلال هذا الحضور.
وتبقى الإشادة واجبة للزملاء والزميلات الذين استجابوا لهذه المبادرة رغم صعوبة الظروف وتعقيدات المرحلة، واختاروا أن يكونوا حيث تُصنع الأحداث لا حيث تُروى فقط. فمثل هذه التجارب تستحق أن تتحول إلى منهج عمل يمتد إلى مختلف ولايات السودان، لأن الصحافة التي تنزل إلى الميدان وتستمع للناس وترى الواقع عن قرب، هي الأقدر على أداء رسالتها المهنية، والإسهام في بناء الوعي ودعم مسار التعافي الوطني.
ومن موقعنا في #وجه_ الحقيقة، نوكد أهمية هذه القافلة لا تكمن فقط في أنها جمعت عددًا من الصحفيين والصحفيات في رحلة ميدانية، وإنما في أنها طرحت سؤالًا أكبر حول مستقبل الإعلام السوداني بعد الحرب: هل يبقى حبيس غرف الأخبار ومنصات التعليق، أم يتحول إلى شريك في معركة إعادة البناء؟ إن الإجابة التي تقدمها هذه المبادرة أن الصحافة حين تلامس الأرض، وتستمع للمزارع، وترى حجم التحديات في مواقع العمل و الإنتاج والخدمات، تصبح جزءًا من الحل لا مجرد ناقل للأزمة.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 22 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com












