زوار الخريف ما بين العادات والثقافة

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

حين يهبُّ الخريف على ظفار، لا تتغير ملامح الأرض وحدها، بل تتغير معها ملامح المكان والناس.

فالجبال التي أنهكها انتظار المطر ترتدي خضرتها، والضباب يهبط بهدوء على السفوح، والرذاذ يرسم على الطرقات لوحةً لا تشبه صيف الجزيرة العربية، فيما تستقبل صلالة زوارها القادمين من جهات شتى؛ من دول الخليج القريبة، ومن البلدان العربية، ومن آسيا وأوروبا وغيرها من بقاع العالم.

وفي تلك الأشهر الاستثنائية، لا يعود خريف صلالة مجرد موسم سياحي، بل يصبح **ملتقىً للعادات والثقافات**؛ مكانًا تجتمع فيه الشعوب، وتختلف فيه اللغات والملابس والأطعمة وطرائق السفر، بينما يتفق الجميع على شيء واحد:

**الرغبة في الاقتراب من الجمال.**

حين يأتي الخليج إلى ظفار

للزائر الخليجي علاقة خاصة بصلالة.

فهو لا يشعر، في الغالب، أنه يسافر إلى مكان بعيد عن بيئته الاجتماعية؛ فهناك الكثير من المشتركات في اللغة والدين والعادات والروابط التاريخية، ومع ذلك يجد في ظفار طبيعة مختلفة تمامًا عمّا اعتاده في صيف الخليج الحار.

ولهذا ترى العائلات القادمة من الإمارات والسعودية والكويت وقطر والبحرين، إلى جانب العائلات العُمانية القادمة من مختلف المحافظات، تتجه نحو الجبال والعيون والسهول الخضراء، باحثةً عن الرذاذ والضباب وبرودة الجو.

ولعل من أجمل المشاهد في الخريف تلك السيارات الخليجية التي تقطع مئات، وربما آلاف الكيلومترات، لتصل إلى صلالة.

إنها ليست مجرد رحلة طريق؛ بل رحلة عائلية طويلة تحمل معها تفاصيل الحياة الخليجية نفسها.

الأب يقود، والأم ترتب احتياجات الرحلة، والأطفال يترقبون الوصول، والحقائب ممتلئة بما يكفي لإقامة قد تمتد أيامًا أو أسابيع.

وحين تصل الأسرة إلى ظفار، تبدأ طقوس الخريف.

بساطٌ يُفرش على العشب، وإبريق شاي، وقهوة عربية، وتمر، وطعام تتقاسمه الأسرة تحت شجرة أو على سفح جبل يختبئ نصفه في الضباب.

إنها صورة بسيطة، لكنها تعبّر عن شيء عميق في الثقافة الخليجية:

**أن الرحلة لا تكتمل إلا بالعائلة.**

فالخليجي غالبًا لا يسافر وحده إلى الخريف؛ بل يحمل معه أسرته وعاداته وكرم ضيافته ومجلسه الصغير أينما حل.

حتى إن بعض الزوار يحوّلون المكان الذي يجلسون فيه إلى ما يشبه مجلسًا مفتوحًا؛ قهوة تُصب، وطعام يُشارك، وحديث يمتد، وقد يجلس إلى جوارهم أشخاص لم يعرفوهم من قبل، ثم يغادرون وقد أصبح بينهم شيء من الألفة.

وهنا تظهر واحدة من أجمل صفات السفر:

**أن الغرباء قد تجمعهم لحظة واحدة تحت شجرة، فتختصر بينهم مسافات طويلة.**

أما السائح الأجنبي… فيرى صلالة بعين أخرى

في الجهة الأخرى، يأتي الزائر الأجنبي غالبًا بطريقة مختلفة.

قد يحمل حقيبة صغيرة وكاميرا، أو منظارًا لمراقبة الطيور، أو خريطة للمواقع الأثرية، وقد يقف طويلًا أمام شجرة لبان، أو يسأل عن تاريخ ميناء سمهرم، أو يتأمل النقوش القديمة، أو يمشي في أحد الأودية باحثًا عن تفاصيل قد يمر بها غيره دون انتباه.

وهنا يظهر اختلاف جميل بين ثقافات السفر.

فالزائر الخليجي قد يرى في خريف صلالة فرصة للاجتماع العائلي والاسترخاء والاستمتاع بالطبيعة، بينما قد يرى السائح القادم من ثقافة بعيدة في المكان فرصة للاكتشاف والتصوير والمشي والتعرف إلى التاريخ والبيئة والإنسان.

ولا يعني ذلك أن أحدهما أفضل من الآخر.

بل إن لكل ثقافة *طريقتها في رؤية الجمال*.

هناك من يرى الجبل مكانًا لجلوس الأسرة، وهناك من يراه مسارًا للمشي.

وهناك من يرى شجرة اللبان جزءًا مألوفًا من تراث المنطقة، بينما يقف أمامها سائح جاء من آلاف الكيلومترات متعجبًا من أن هذه الشجرة الصغيرة كانت يومًا مصدر مادة ثمينة حملتها القوافل والسفن إلى حضارات العالم القديم.

وهكذا قد نعيش بجوار كنز سنوات طويلة، ثم يأتي غريب من أقصى الأرض ليذكرنا بقيمته.

اللباس… لغة أخرى للثقافة
وفي موسم الخريف، يكفي أن تتجول في أحد المواقع السياحية أو الأسواق لترى أمامك لوحة بشرية متعددة الألوان.

ترى الدشداشة العُمانية والمِصَر والكمة، والثوب الخليجي والعباءة، إلى جانب الملابس التقليدية الظفارية، ثم ترى السائح الأجنبي بملابسه التي تعكس ثقافة بلده وطبيعة رحلته.

ولا يصبح اختلاف اللباس حاجزًا، بل يتحول إلى مشهد من مشاهد التنوع.

فالملابس ليست مجرد أقمشة نرتديها؛ إنها تحمل في تفاصيلها تاريخ الشعوب وبيئاتها ومعتقداتها وذوقها وهويتها.

وحين تجتمع هذه الأزياء في مكان واحد، يصبح خريف صلالة أشبه بمعرض ثقافي مفتوح لا يحتاج إلى جدران.

وفي سوق صلالة… تتحدث الثقافات

إذا كانت الجبال تجمع الناس بالطبيعة، فإن الأسواق تجمعهم بالحياة.

في الأسواق الشعبية ومحال اللبان والعطور والبخور والمنتجات التقليدية، تبدأ واحدة من أجمل صور التفاعل الثقافي.

يسأل السائح:

ما هذا؟

فيقال له:

هذا اللبان.

يشمه، يتأمله، ثم يسأل عن طريقة استخدامه.

وهنا تبدأ الحكاية.

حكاية شجرة نمت في أرض ظفار، وأصبحت تجارتها عبر القرون جزءًا من تاريخ جنوب الجزيرة العربية، وارتبطت طرقها التجارية بموانئ وقوافل وصلت منتجاتها إلى حضارات بعيدة.

ولذلك فإن بيع قطعة من اللبان لسائح أجنبي ليس مجرد عملية تجارية.

إنها، بطريقة ما، استمرار حديث لرحلة قديمة جدًا.

فما كان يُحمل قديمًا على ظهور القوافل والسفن، يحمله السائح اليوم في حقيبته إلى بلده.

تغيرت وسائل السفر…

لكن **رائحة ظفار ما زالت تعبر الحدود**.

الطعام… أقصر طريق بين الشعوب

ومن أجمل أبواب التعارف بين الثقافات الطعام.

فالزائر الخليجي يأتي بذائقته المعروفة، لكنه سرعان ما يكتشف أطعمة ظفار ونكهاتها المحلية، ويجرب اللحوم والمشاكيك والمأكولات الشعبية والحلويات والمشروبات، بينما يكتشف الزائر الأجنبي عالمًا جديدًا من النكهات والبهارات وطقوس الضيافة.

وقد تبدأ علاقة الإنسان بثقافة كاملة من طبق صغير.

لقمة يتذوقها لأول مرة.

فنجان قهوة يُقدّم له.

قطعة حلوى عُمانية.

أو رائحة بخور تملأ المكان بعد الطعام.

إن الثقافة لا تُقرأ دائمًا في الكتب.

أحيانًا…

*تُذاق.*

ولكن… هل نحن أيضًا نتعلم من زوارنا؟

هذا سؤال يستحق أن نتوقف عنده.

فنحن كثيرًا ما نتحدث عن تعريف السائح بثقافتنا، ولكن السياحة الحقيقية طريق ذو اتجاهين.

كما نُعرّف الزائر بعُمان، نتعلم نحن منه شيئًا عن العالم.

قد نتعلم من بعض السياح احترام المسارات الطبيعية، أو الاهتمام بالتفاصيل التاريخية، أو حب المشي والاستكشاف، أو الحرص على توثيق المواقع والمعلومات.

وقد يتعلم الزائر منا معنى الكرم العُماني، واحترام الضيف، والهدوء في التعامل، والترابط الأسري، وتقدير التقاليد.

وهكذا تصبح السياحة تبادلًا غير مكتوب.

لا أحد يلقي محاضرة.

ولا أحد يجلس في فصل دراسي.

ومع ذلك…

**الجميع يتعلم من الجميع.**

الخريف مرآة لأخلاقنا أيضًا
لكن جمال الموسم لا يقاس بعدد الزوار فقط.

بل بالطريقة التي نترك بها المكان بعد رحيلنا.

فالطبيعة التي استقبلتنا بالخضرة والرذاذ تستحق منا أن نحافظ عليها.

والجبال ليست سلة مهملات.

والعيون المائية ليست مكانًا لترك بقايا الطعام.

والمسطحات الخضراء ليست ملكًا لجيل واحد.

إن أجمل ثقافة يمكن أن يحملها السائح، سواء كان خليجيًا أو عربيًا أو أجنبيًا، هي *ثقافة احترام المكان*.

أن نأتي فنستمتع دون أن نؤذي.

أن نجلس ثم نترك المكان أجمل مما وجدناه.

أن نحترم العادات المحلية وخصوصية المجتمع.

وأن ندرك أن السياحة ليست حقًا في الاستمتاع فقط، بل مسؤولية أيضًا.

فقد يزور الإنسان مكانًا مرة واحدة في حياته، لكنه قد يترك فيه أثرًا يبقى سنوات.

فليكن أثره جميلًا.

صلالة… حين يصبح الخريف وطنًا مؤقتًا للجميع

لعل أجمل ما في خريف صلالة أنه يعلّمنا درسًا إنسانيًا بسيطًا:

أن الناس، مهما اختلفت جنسياتهم ولغاتهم وعاداتهم، يتشابهون أكثر مما يظنون.

فالطفل الخليجي الذي يركض فرحًا وسط الرذاذ لا يختلف كثيرًا عن طفل أوروبي يرى الضباب يلامس الجبل.

والأم التي تلتقط صورة لأطفالها بين الأشجار تحمل المشاعر نفسها التي تحملها أم جاءت من قارة أخرى.

والرجل الذي يقف أمام البحر يتأمل الأفق قد لا يتحدث لغة الرجل الواقف بجانبه…

لكن البحر مفهوم لديهما معًا.

وهنا تكمن روعة السفر.

فنحن لا نسافر فقط لنرى أماكن جديدة.

بل نسافر أحيانًا لنكتشف أن هذا العالم الواسع، رغم اختلاف ثقافاته، **أقرب إلينا مما كنا نظن**.

وفي خريف ظفار، حين يعانق الضباب الجبال، وتفوح رائحة اللبان، وتمتلئ الطرق باللهجات واللغات المختلفة، تصبح صلالة أكثر من مدينة سياحية.

تصبح ملتقىً صغيرًا للعالم.

يأتي الخليجي بعاداته.

ويأتي الأجنبي بثقافته.

ويستقبلهم العُماني بتراثه وكرمه.

ثم يجلس الجميع أمام الطبيعة ذاتها…

تحت الغيمة ذاتها…

ويصغي الجميع إلى صوت الرذاذ ذاته.

وكأن خريف صلالة يقول لهم:

*اختلفوا في لغاتكم وملابسكم وعاداتكم كما شئتم…*

*لكن اتركوا للجمال فرصةً ليجمعكم.*

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24