حين يحتاج المتبرع إلى مَن يعينه… مَن يحمل مسؤولية المحتاج؟

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

تصلني رسالة:

أسرة تحتاج إلى مساعدة في دفع فاتورة الكهرباء.

أساهم بعشرة ريالات.

بعد يومين، حالة أخرى:

أبٌ لا يستطيع شراء احتياجات أسرته.

أساهم بما أستطيع.

ثم تأتيني رسالة ثالثة عن مريض، ورابعة عن أسرة تحتاج إلى ثلاجة، وخامسة عن بيت تعطّل فيه المكيف في حر الصيف، وسادسة عن شخص فقد عمله وأصبح عاجزًا عن دفع الإيجار.

وأمام كل حالة يتحرك القلب.

تقول لنفسك:

لعل هذه الريالات القليلة تفرّج كربة إنسان.

لكن بعد الحالة العاشرة والعشرين، يبدأ سؤال آخر يتحرك في داخلك:

إلى متى أستطيع؟

فأنا أيضًا لدي أسرة.

ولدي أبناء.

وفواتير.

والتزامات.

وقسط.

وطوارئ قد تأتيني غدًا.

وهنا تبدأ المشكلة التي لا نتحدث عنها كثيرًا:

ماذا يحدث عندما يصبح المحتاج كثيرًا… والمتبرع نفسه محدود القدرة؟

حين يطلب المحتاج من محتاج مثله

ليس المقصود أن كل من يتبرع فقير.

ولكن معظم الذين تستقبل الجمعيات تبرعاتهم ليسوا أصحاب ثروات هائلة.

إنهم موظفون ومتقاعدون وأصحاب أعمال بسيطة وأناس لديهم أسر والتزامات مثل غيرهم.

هذا يدفع خمسة ريالات.

وذاك عشرة.

والآخر عشرين.

وتجتمع القطرات فتصبح نهرًا من الخير.

وهذا من أجمل صور التكافل في المجتمع.

لكن ماذا إذا كثرت الحالات إلى درجة أصبحت فيها القطرات نفسها قليلة؟

ماذا إذا أصبح الموظف الذي كان يتبرع بعشرين ريالًا لا يستطيع اليوم إلا خمسة؟

وماذا إذا أصبح الذي كان يتبرع كل شهر يحتاج هو نفسه إلى إعادة حساب مصروفه بسبب ارتفاع تكاليف الحياة؟

هنا لا تكون المشكلة في قلة الرحمة.

قد تكون القلوب ما زالت كريمة… لكن الجيوب أصبحت أكثر تعبًا.

الجمعيات الخيرية ليست خزائن لا تنفد

عندما تعجز أسرة عن سداد حاجتها، تذهب إلى جمعية خيرية.

لكن من أين تأتي أموال الجمعية؟

من المجتمع نفسه.

من الصدقات.

والزكوات.

والتبرعات.

والأوقاف والمساهمات المختلفة.

أي أن الجمعية في كثير من أعمالها ليست مصدر المال بقدر ما هي جسر يصل مال القادر بالمحتاج.

فإذا زاد عدد المحتاجين، وفي الوقت نفسه ضعفت قدرة المتبرعين، أصبحت الجمعية أمام معادلة صعبة:

طلبات أكثر…

وموارد أقل.

وهنا لا يجوز أن نلوم الجمعية وحدها إذا لم تستطع الاستجابة لكل حالة؛ فبعض المؤسسات الخيرية نفسها تعمل ضمن موارد محدودة وأولويات وحالات كثيرة تنتظر.

لكن ذلك يقودنا إلى السؤال الأكبر:

إذا عجزت الأسرة، وضاقت موارد الجمعية، وأرهقت الالتزامات المتبرع… فمن يسد الفجوة؟

وأين الدولة من هذه المعادلة؟

هنا ينبغي أن نكون منصفين أيضًا.

الدولة ليست غائبة بالضرورة؛ فهناك أنظمة للحماية الاجتماعية، ومساعدات ومنافع وبرامج حكومية، ولكل منها شروط استحقاق وأنظمة وميزانيات.

وهذا أمر طبيعي من الناحية الإدارية؛ فلا يمكن أن توزع الأموال العامة بلا ضوابط.

لكن المشكلة تظهر في الفجوة.

ذلك الإنسان الذي لا تنطبق عليه بعض شروط الاستحقاق، لكنه في الواقع يعاني.

والعامل الذي فقد وظيفته، وتحتاج أسرته إلى وقت حتى تستعيد توازنها.

والأسرة التي يتجاوز دخلها حدًا معينًا على الورق، لكنه بعد الإيجار والديون والالتزامات لا يكفي احتياجاتها الأساسية.

وهنا ينبغي ألا يكون السؤال:

هل توجد مساعدات حكومية أم لا؟

بل:

هل تصل شبكة الحماية إلى كل من أصبح عاجزًا فعلًا عن تأمين ضروريات حياته؟

فالأنظمة تُقاس في النهاية ليس فقط بعدد البرامج الموجودة…

بل بعدد الأشخاص الذين منعتهم تلك البرامج من السقوط.

الصدقة تعالج اليوم… ولكن ماذا عن الغد؟

أسرة لا تجد طعامًا.

نعطيها سلة غذائية.

جزى الله من فعل ذلك خيرًا.

فاتورة كهرباء لم تُدفع.

نسددها.

ثلاجة تعطلت.

نشتري غيرها.

لكن بعد شهر؟

ستأتي فاتورة جديدة.

وسينفد الطعام.

وقد تظهر حاجة أخرى.

وهنا يجب أن ننتقل من سؤال:

كيف نساعد هذه الأسرة اليوم؟

إلى سؤال أكبر:

لماذا تحتاج هذه الأسرة إلى المساعدة كل شهر؟

قد تكون المشكلة بطالة.

أو فقد وظيفة.

أو راتبًا لا يواكب الاحتياجات الأساسية.

أو ديونًا.

أو مرضًا.

أو سوء تدبير.

أو عددًا من الأسباب اجتمع بعضها فوق بعض.

وهنا لا تكفي الصدقة وحدها.

نحتاج إلى تشخيص السبب.

فمن يستطيع العمل يحتاج إلى فرصة عمل أو تدريب.

ومن أثقلته الديون يحتاج إلى معالجة مالية حقيقية.

ومن أساء إدارة دخله يحتاج إلى توعية.

ومن وقع في ظرف قاهر يحتاج إلى شبكة تحميه حتى يقف مجددًا.

فالصدقة قد تطفئ حريق اليوم، لكننا نحتاج أيضًا إلى معرفة لماذا يشتعل البيت كل شهر.

لا تجعلوا المتبرع يشعر بالذنب

وهذه قضية مهمة جدًا.

عندما تصلك عشر حالات ولا تستطيع مساعدة الجميع، قد تشعر بالتقصير.

ساعدت الأول ولم تساعد الثاني.

دفعت للعائلة الثالثة، ثم اعتذرت للرابعة.

فتسأل نفسك:

هل أصبحت أقل خيرًا؟

لا.

للإنسان طاقة.

وله أسرة هو مسؤول عنها أيضًا.

قال الله تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

والعطاء لا يعني أن تهدم استقرار بيتك لكي تصلح بيوت الآخرين.

ولا أن تدخل أنت في الدين لكي تسدد دين غيرك.

ولا أن تحرم أبناءك من حقوقهم الأساسية حتى لا يقال إنك لم تتبرع.

ساعد بما تستطيع.

قليلًا كان أو كثيرًا.

فالعشرة ريالات التي تراها قليلة قد تكون عظيمة عند من يحتاج إليها.

لكن لا تحمل نفسك مسؤولية مجتمع كامل.

فالإنسان يستطيع أن يحمل جزءًا من العبء، لكنه لا يستطيع أن يحمل العبء كله.

ولا تجعلوا الفقير يشعر بالمهانة

وفي الجانب الآخر، علينا ألا نحول هذا النقاش إلى محاكمة للمحتاج.

فليس كل فقير أساء التدبير.

وليس كل عاطل كسولًا.

وليس كل مدين مسرفًا.

قد يكون الإنسان بالأمس قادرًا، واليوم تبدلت حياته.

وقد يكون أكثر ما يؤلمه ليس الجوع نفسه…

بل أن يضطر إلى أن يقول للناس:

ساعدوني.

لذلك ينبغي أن تحفظ المساعدة كرامته.

لا نصوره.

ولا ننشر اسمه.

ولا نروي قصته في المجالس.

ولا نجعله يدفع من كرامته ثمنًا لما أخذه من أموالنا.

قال تعالى:

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: 263].

فالفقير يحتاج مالك…

لكنه لا يحتاج أن يخسر كرامته مقابله.

التكافل لا يعفي المؤسسات من مسؤوليتها

نحن مجتمع مسلم، والصدقة والزكاة والتكافل من أعظم قيمنا.

ولا ينبغي لأي مقال أن يطفئ هذه الروح الجميلة.

بل علينا أن نحافظ عليها.

لكن هناك فرقًا بين أن تكون الجمعيات الخيرية شريكًا في شبكة الأمان، وبين أن تصبح هي شبكة الأمان كلها.

وفرق بين أن يساعد المواطن أخاه…

وبين أن يشعر المواطن أن مصير الأسر المحتاجة أصبح معلقًا بالكامل على ما بقي في جيوب المواطنين الآخرين.

فالمشكلات الكبيرة تحتاج حلولًا كبيرة:

سياسات تشغيل.

وحماية اجتماعية مرنة.

ومراجعة دورية لمعايير الاستحقاق.

وبرامج لإعادة تأهيل من فقدوا وظائفهم.

ودعمًا للحالات الانتقالية.

وتعاونًا بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجمعيات والأوقاف.

والأهم من ذلك كله:

أن نصل إلى المحتاج قبل أن يضطر إلى مد يده.

من المسؤول إذن؟

الحقيقة أن المسؤولية موزعة.

الفرد مسؤول أن يحسن إدارة حياته وماله ما استطاع.

والقادر مسؤول أخلاقيًا ودينيًا عن نصيبه من التكافل.

والجمعيات مسؤولة عن الأمانة والشفافية وإيصال المساعدات إلى مستحقيها.

والقطاع الخاص له مسؤولية اجتماعية تتجاوز الشعارات.

والجهات الحكومية تتحمل المسؤولية الأكبر في بناء منظومة حماية قادرة على التقاط من يسقط قبل أن يصل إلى مرحلة العجز الكامل.

لأن الفقر لا ينبغي أن يتحول إلى كرة ندفعها من جهة إلى أخرى:

الأسرة إلى الوزارة.

والوزارة إلى الجمعية.

والجمعية إلى المتبرع.

والمتبرع ينظر إلى راتبه والتزاماته ثم يسأل:

وإلى من أذهب أنا إذا احتجت غدًا؟

وهنا تكمن المشكلة.

لا نريد مجتمعًا يتوقف عن العطاء

بل نريد العكس تمامًا.

نريد أن يبقى باب الصدقة مفتوحًا.

وأن تبقى الزكاة طهرًا للمال.

وأن يظل الجار يسأل عن جاره، والقريب عن قريبه، والغني عن الفقير.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 272].

لكننا نريد أيضًا ألا يصبح الخير الفردي الحل الوحيد لمشكلة جماعية متنامية.

فالصدقة رحمة.

والجمعيات ضرورة.

والتكافل قوة للمجتمع.

لكن كل ذلك ينبغي أن يعمل إلى جانب منظومة اقتصادية واجتماعية تعالج الأسباب، لا أن يظل الجميع يطارد النتائج.

حين يحتاج المتبرع إلى مَن يعينه

لذلك عندما تصلني غدًا رسالة جديدة تطلب مساعدة أسرة، سأظل – ما استطعت – أضع شيئًا من مالي.

خمسة ريالات.

أو عشرة.

أو عشرين.

ليس لأنني أملك حل المشكلة…

بل لأن هناك إنسانًا لا ينبغي أن أتركه وحده إذا استطعت مساعدته.

لكن بعد أن أدفع، يبقى السؤال قائمًا:

لماذا أصبحت الحالات أكثر من قدرة المتبرعين؟

وإذا كان المحتاج ينتظر الجمعية…

والجمعية تنتظر المتبرع…

والمتبرع نفسه يحسب آخر الشهر هل يكفيه راتبه…

فمن ينبغي أن يتقدم خطوة إلى الأمام؟

لا ينبغي أن ننتظر حتى يصبح المتبرع محتاجًا، والمحتاج أشد حاجة، والجمعية عاجزة بينهما.

فالصدقة تستطيع أن تسد جوع إنسان الليلة…

لكن العدالة الاجتماعية الحقيقية تسعى إلى ألا يستيقظ كل صباح وهو لا يعرف من أين سيأتي بطعام الغد.

ولذلك، حين نرى كثرة طلبات المساعدة، لا ينبغي أن نسأل فقط:

«كم سنتبرع؟»

بل ينبغي أن نمتلك الشجاعة لنسأل أيضًا:

«لماذا أصبح كل هذا العدد محتاجًا إلى التبرع أصلًا؟»

فهذا السؤال لا يقلل من قيمة الصدقة…

بل يبحث عن اليوم الذي تصبح فيه حاجة الناس إليها أقل.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24