بقلم : سمر جهاد ابراهيم ( أفروديت )
أقدم تلك القراءة حسب رؤيتي لهذه السلسلة البوليسية الشيقة .
في السرد البوليسي، لا تكمن قوة النص في كشف الجاني فحسب، بل في قدرته على تحويل الجريمة إلى بنية دلالية تكشف تعقيد النفس البشرية. ومن هذا المنظور، تأتي سلسلة «لغز مقتل عائشة» للكاتب فايل المطاعني الحكواتي بوصفها نصًا يتجاوز الحكاية البوليسية التقليدية، ليقدم عالمًا تتشابك فيه الجريمة مع الخيانة، والعدالة مع الضمير، والحقيقة مع الأقنعة الاجتماعية.
يُظهر العمل وعيًا واضحًا ببنية التشويق المتدرج؛ إذ لا يعتمد الكاتب على الإثارة اللحظية، بل يبني توتره السردي عبر التأجيل الذكي للحقيقة. فكل حلقة لا تنتهي بإجابة، بل بسؤال أعمق، وكل خيط يُكشف يقود إلى مزيد من التعقيد، مما يُبقي القارئ في حالة ترقب مستمرة.
أبرز ما يلفت في هذا العمل هو نجاح الكاتب في تفكيك مفهوم الجريمة ذاته؛ فالقتل هنا ليس فعلًا معزولًا، بل نتيجة سلسلة من الانكسارات الأخلاقية والتصدعات العاطفية. الجريمة تبدأ حين يتآكل الضمير، وتتحول مشاعر الغيرة والخذلان والانتقام إلى قوة مدمرة. وهذا ما يمنح النص بعدًا نفسيًا عميقًا يتجاوز حدود اللغز البوليسي.
من الناحية الفنية، يمتلك الحكواتي قدرة واضحة على إدارة الإيقاع السردي؛ فالحبكة طويلة ومتشعبة، لكنها تحافظ على تماسكها الداخلي. كما نجح في توزيع الأدلة السردية بطريقة طبيعية، بحيث تأتي كل معلومة كجزء من أحجية تتكامل تدريجيًا.
كما يبرز في العمل الاشتغال على فكرة القناع الاجتماعي؛ إذ يطرح النص سؤالًا مهمًا حول المسافة بين الظاهر والحقيقة. فالمظاهر الاجتماعية قد تخفي خلفها اضطرابات عميقة، والجريمة هنا لا تقتل الأشخاص فقط، بل تكشف المستور وتسقط الأقنعة.
أما على مستوى اللغة، فقد اعتمد الكاتب أسلوبًا سلسًا واضحًا يخدم طبيعة السرد البوليسي، دون أن يفقد النص نبرته الأدبية. وتظهر بصمته الحكواتية في الجمل التأملية التي تمنح السرد عمقًا فكريًا.
في المحصلة، نجح فايل المطاعني الحكواتي في تقديم عمل بوليسي عربي ممتع ومتماسك، يؤكد امتلاكه حسًا سرديًا قادرًا على شد القارئ حتى النهاية. «لغز مقتل عائشة» ليست مجرد قصة عن قاتل وضحية، بل عن لحظة انهيار الإنسان حين يفقد بوصلته الأخلاقية، وعن حقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت.












One Response
Clear and helpful. Tank jacks make alignment easier during tank erection.