الدكتور ثائر العجيلي
لم تعد المواجهة في الشرق الأوسط تُقاس بمن يمتلك القدرة على إطلاق الصاروخ الأخير، بل بمن يستطيع إعادة هندسة الجغرافيا التي تتحرك فيها القذيفة والناقلة معاً. ومع تحول طهران من استراتيجية «الردود المتناسبة» المنضبطة إلى محاولة انتزاع زمام المبادرة الهجومية، كفت مياه الخليج ومضيق هرمز عن كونها مجرد مسرح مائي للعمليات؛ لتتحول إلى ركيزة أساسية في العقيدة القتالية نفسها. في اللحظة التي بدأت فيها الصواريخ تطارد ناقلات النفط، دافعةً أسعار البرميل لتجاوز حاجز المئة دولار، انتقل الصراع من مرحلة تدمير القوة العسكرية التقليدية إلى مرحلة «تسعير الجغرافيا»؛ فكل مقذوف في البحر بات يحمل في طياته علاوة مخاطر مالية دولية، وكل ناقلة مهددة أصبحت رقماً صعباً في ميزان الردع المشترك.
هذا التحول البنيوي ينقل الإقليم من معادلة «تغيير قواعد اللعبة» المألوفة إلى فضاء استراتيجي أعقد يمكن تسميته بـ «التزاحم المسلح»؛ حيث تتحرك قوى متعددة ومتناقضة داخل الرقعة الجغرافية ذاتها، لكن لكل منها تعريفه الخاص لحسابات النصر، وحدود الكلفة، وسيناريوهات المخرج.
معادلة الاندفاع الإسرائيلي: عقيدة «منع النهوض»
تتعامل إسرائيل مع الحسابات الراهنة باعتبارها فرصة استراتيجية وتاريخية نادرة يجب تثبيت مكتسباتها وتكريسها قبل أن تتمكن طهران من ترميم تصدعاتها الداخلية والخارجية. الضربة في العقل العسكري الإسرائيلي لم تعد تحقق غايتها بمجرد تدمير منشأة أو تحييد قدرة عسكرية مؤقتة، بل تكتمل قيمتها عندما تمنع كلياً إمكانية إعادة بنائها.
من هذا المنطلق، يصبح مجرد “وقف الحرب” معضلة أمنية لتل أبيب إذا كان يمنح طهران المدى الزمني اللازم لإصلاح منشآتها الحيوية، أو إعادة إنتاج ترسانتها الصاروخية، أو إعادة ترتيب شبكات نفوذها الإقليمي. وتأسيساً على ذلك، تتشكل عقيدة إسرائيلية جديدة قوامها «الإنهاك الاستباقي المستمر»: كل ما يُعاد بناؤه يتحول تلقائياً إلى هدف مشروع، وكل قدرة تُستعاد تصبح مبرراً لضربة قادمة. ومع ذلك، لا تتحرك إسرائيل في فراغ مطلق؛ إذ يظهر هنا أول التباينات داخل المعسكر الواحد: فبينما تبحث تل أبيب عن نهاية جذرية للقدرة الإيرانية، تبحث واشنطن عن صيغة تضمن احتواء المواجهة وإدارتها للحد من كلفة الحرب وتداعياتها على الاقتصاد العالمي.
الواقعية الخليجية: النجاة في خطوط التماس
على المقلب الآخر، تقرأ جغرافيا الخليج المشهد من نافذة مختلفة تماماً؛ فالمعضلة الحقيقية لا تكمن في المسافة الفاصلة بين تل أبيب وطهران، بل في حقيقة أن دول الخليج تقع في العمق الجغرافي الواقع بينهما. الموانئ الاستراتيجية، منشآت الطاقة الحيوية، المطارات العالمية، والمشاريع الاستثمارية الكبرى كلها تقع داخل المدى المؤثر للصراع. بناءً عليه، لا تملك العواصم الخليجية رفاهية التعامل مع هذه الحرب كمعركة بعيدة بين خصمين؛ بل كتهديد مباشر قد يفرض عليها دفع الفاتورة الأكبر حتى وإن لم تكن شريكة في قرار الحرب.
هذه المعطيات أنتجت براغماتية وواقعية خليجية واضحة؛ تقوم على الاحتفاظ بالمظلة الأمنية المشتركة مع بناء وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، بالتوازي مع إبقاء قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة مع طهران كأداة لتبريد الجبهات وحماية مشاريع التنمية الشاملة من أن تقع رهينة لصاروخ طائش أو ناقلة محترقة. إن الهدف الخليجي المحوري في هذه المرحلة ليس تحقيق انتصار عسكري على إيران، بل النجاة بالمستقبل الاقتصادي من أتون حرب لا تملك هذه الدول قرار بدايتها ولا نهايتها.
أنساق الهجوم الإيراني: عولمة الألم الاقتصادي
في المقابل، اندفعت طهران نحو منطقة شديدة الخطورة بإعلانها الرسمي أفول عهد الردود المتناسبة، ملوحة بتغيير شامل في عقيدتها العسكرية لصالح أخذ زمام المبادرة ونقل المعركة إلى مربع الهجوم. لم يعد السؤال الجوهري اليوم: كيف سترد إيران إذا تعرضت للهجوم؟ بل: أين يمكنها نقل الرد، وكيف تستطيع رفع كلفته إلى الحد الأقصى، وإلى أي مدى تملك القدرة على تمديد مجال الخطر من مياهها الإقليمية إلى عمق الممرات المائية الدولية؟
عندما تتحول ناقلات النفط إلى أهداف مباشرة، يتوقف النفط عن كونه مجرد سلعة تمر عبر أجواء الحرب، ليصبح هو الحرب ذاتها. القذيفة التي تلاحق ناقلة في البحر لا تستهدف هيكلاً حديدياً فحسب، بل تضرب في الصميم أسعار التأمين العالمي، وتكلفة الشحن البحري، وشهية الأسواق الدولية، وحسابات الحكومات الغربية. وهنا يتحول صعود الأسعار فوق حاجز الـ 100 دولار للبرميل من مجرد مؤشر اقتصادي إلى ترجمة مالية وجيوسياسية مباشرة لتغير قواعد الاشتباك؛ حيث تصبح الجغرافيا أداة لفرض الألم المتبادل وعولمة التكلفة للضغط على صانع القرار الدولي.
المآل الحتمي: من التزاحم إلى «السلام المسلح»
إن فلسفة التاريخ تؤكد أن «التزاحم المسلح» قد يحمل في أحشائه نقيضه تماماً؛ فالحروب المفتوحة واللانهائية تستهلك طاقة وعمر أعتى القوى. وحين تكتشف إيران أن عولمة الاشتباك تنهك اقتصادها الداخلي وعملتها الوطنية بأكثر مما تضغط به على خصومها، وتستنتج إسرائيل أن استراتيجية منع النهوض الإيراني تتطلب حرب استنزاف بلا نهاية، وتدرك واشنطن أن استمرار النيران يلتهم مخازن الذخيرة والسياسة الداخلية؛ عندها ستبدأ كافة الأطراف بالبحث عن صيغة بديلة للتعايش القسري: صيغة «السلام المسلح».
لن يكون هذا السلام وئاماً تقليدياً أو تسوية تاريخية تطوي صفحة الصراع، بل سيكون “توازناً قلقاً ومحسوباً تحت فوهات السلاح”: صواريخ موجهة في مرابضها، ناقلات تسير بحراسة مشددة، رقابة استخباراتية على مدار الساعة، ضربات موضعية ومتقطعة للحفاظ على قواعد الردع، وفي الوقت ذاته، قنوات سياسية خلفية تعمل بانتظام تحت ظلال التهديد المستمر.
إذا كان «التزاحم المسلح» هو الحالة الراهنة للصراع لإعادة رسم الموازين، فإن «السلام المسلح» هو النتيجة الحتمية التي سيفرضها عجز الجميع عن حسم المعركة بشكل قاطع. وهنا يبرز السؤال الاستراتيجي الأعمق: هل ستنجح الأطراف المتصارعة في تحويل هذا التوازن القلق إلى صيغة مستدامة لإدارة النزاع في الإقليم، أم أن كلفة الحفاظ على «السلام المسلح» ستظل مرتفعة إلى حد قد يدفع أحد الأطراف للمجازفة بتفجيره مجدداً؟
يبقى خطر «السلام المسلح» متمثلاً في رفع كلفة الانفجار دون إلغاء احتماليته، إذ يسابق الإقليم الزمن قبل أن تحوّل ضربة محسوبة بطريق الخطأ المنطقة إلى نسخة جديدة من شرارة الحرب العالمية الأولى. لن يتبقى حينها جغرافيا لتُسعّر، ولا نفطٌ ليحمي أحداً.















