بقلم ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
كان الصباح يمضي على مهل، والشارع يزدحم بالناس، كلٌّ يسير إلى وجهته، يحمل همومه وأحلامه وأمنياته التي لا يراها أحد.
وعلى جانب الطريق، كان رجل يقود دراجته الهوائية، يضغط على الدوّاسات وقد بدأ التعب يتسلل إلى ساقيه. كان العرق يبلل جبينه، والشمس تزداد حرارة، والطريق أمامه لا يزال طويلًا.
وبينما هو كذلك، مرّ بجانبه رجل على دراجة نارية، وانطلق أمامه سريعًا حتى اختفى بين السيارات.
توقف صاحب الدراجة الهوائية لحظة، ونظر إليه بحسرة وقال في نفسه:
«يا ليتني أملك دراجة نارية كهذه… لما أتعبتني المسافات، ولما وصلت إلى عملي منهكًا كل يوم.»
ثم واصل طريقه، وهو لا يرى من حياته إلا ما ينقصها.
أما صاحب الدراجة النارية، فلم يكن سعيدًا كما تخيله الرجل خلفه.
كان يسير وسط الحر والغبار، حتى توقفت إلى جواره عند الإشارة سيارة قديمة. نظر إلى سائقها فرآه جالسًا في مقعده، محتميًا من الشمس، فأخذ يتأمل السيارة وقال في نفسه:
«يا ليتني أملك سيارة، ولو كانت قديمة كهذه… يكفيني أن أكون بعيدًا عن الحر والغبار، أجلس مرتاحًا وأصل إلى عملي دون هذا العناء.»
فتحت الإشارة، ومضى الاثنان.
لكن صاحب السيارة القديمة كان له هو الآخر شيء يتمناه.
كان محرك سيارته يصدر أصواتًا مزعجة، ومكيفها بالكاد يقاوم حرارة النهار، وكل شهر تقريبًا يجد نفسه أمام عطل جديد ومصاريف جديدة.
وبينما كان يقودها، مرت بجانبه سيارة فارهة لامعة، هادئة، حديثة، يقودها رجل يبدو عليه الثراء.
نظر إليها طويلًا، ثم تنهد وقال:
«يا ليتني أملك مثل هذه السيارة… لا أعطال، لا أصوات، لا تعب. ما أجمل أن يعيش الإنسان مرتاحًا!»
ولم يكن يعلم أن الرجل داخل السيارة الفارهة كان يحمل هو الآخر أمنية لا يعرفها أحد.
وهكذا مضى الشارع…
رجل يتمنى ما عند رجل، ورجل يحسد راحة رجل، وكل واحد منهم يظن أن السعادة تسير أمامه، وأنها لو توقفت عند بابه لتغيرت حياته.
لكن في أعلى إحدى العمارات المطلة على ذلك الشارع، كان هناك رجل ثري يجلس قرب نافذة واسعة.
كانت لديه الأموال، والعقارات، وربما يستطيع أن يشتري الدراجة والدراجة النارية والسيارة القديمة والسيارة الفارهة جميعًا دون أن يتغير في حسابه الكثير.
لكن ذلك الرجل كان مقعدًا لا يستطيع السير على قدميه.
اقترب من النافذة، وأخذ ينظر إلى الشارع.
رأى صاحب الدراجة الهوائية يحرك ساقيه ويمضي.
ورأى صاحب الدراجة النارية يضع قدميه على الأرض عند الإشارة ثم ينطلق.
ورأى الرجل يترجل من سيارته القديمة ويمشي.
ورأى صاحب السيارة الفارهة يفتح باب سيارته وينزل منها على قدميه.
نظر إليهم جميعًا…
ثم نظر إلى قدميه.
وسكت طويلًا.
ولعله قال في أعماقه:
«يا ليتني أستطيع أن أمشي مثلهم… لا أريد دراجة، ولا سيارة، ولا مالًا أكثر. أريد فقط أن أقف على قدميّ، وأن أمشي في ذلك الشارع.»
وهنا تتغير الحكاية كلها.
فصاحب الدراجة كان يظن أن النعمة في الدراجة النارية، وصاحب الدراجة النارية كان يراها في السيارة، وصاحب السيارة القديمة كان يراها في السيارة الفارهة…
أما الرجل الثري، فكان يرى النعمة في قدمين تمشيان.
وهكذا نحن في كثير من أيامنا.
ننظر طويلًا إلى ما ينقصنا، وقليلًا إلى ما نملكه.
نرى بيت غيرنا ولا نرى سقف بيتنا الذي يأوينا.
نرى سيارة غيرنا ولا نتذكر أن غيرنا ينتظر وسيلة تقلّه.
نرى منصبًا أعلى من منصبنا، وراتبًا أكبر من راتبنا، وسفرًا أكثر، وثيابًا أفخم، وحياة تبدو أجمل على شاشات الهواتف، فنقارن ما نملكه بما يملكه الآخرون، حتى تتحول النعم في أعيننا إلى أشياء عادية لا تستحق الالتفات.
والحقيقة أن بعض ما اعتدنا عليه كل يوم هو حلم بعيد لإنسان آخر.
أن تستيقظ من نومك وتفتح عينيك نعمة.
أن تنهض من فراشك دون مساعدة نعمة.
أن تمشي إلى دورة المياه وحدك نعمة.
أن تأكل بيدك، وتشرب، وتسمع صوت من تحب، وتعود إلى بيت فيه من ينتظرك… نعم قد لا نعرف قيمتها لأننا نعيشها كل يوم.
فالاعتياد على النعمة قد يجعلنا ننسى أنها نعمة.
وليس معنى الشكر أن يتوقف الإنسان عن الطموح، أو ألا يسعى إلى الأفضل، أو أن يرضى بالتقصير والفشل. بل من حق الإنسان أن يطمح إلى بيت أفضل، وعمل أفضل، وحياة أوسع.
لكن الفرق كبير بين الطموح والجحود.
اطمح إلى المزيد، ولكن لا تحتقر ما لديك.
اسعَ إلى الأفضل، ولكن لا تجعل ما عند الآخرين يسرق منك جمال ما عندك.
احلم بالسيارة الفارهة، ولكن احمد الله على القدمين اللتين تحملانك إليها.
واحلم بالبيت الكبير، ولكن لا تنسَ دفء البيت الصغير الذي جمعك بمن تحب.
واحلم بالغد، ولكن لا تجعل الغد يسرق منك نعمة اليوم.
قال الله تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾
وقال سبحانه:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
وكم هو عظيم قول النبي ﷺ:
«انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم».
ربما لا تحتاج اليوم إلى نعمة جديدة بقدر ما تحتاج إلى أن ترى النعم القديمة بعين جديدة.
فحين تنظر إلى ما عند الناس، ستجد دائمًا من يملك أكثر منك.
وحين تنظر إلى ما وهبك الله، ستكتشف أنك تملك أشياء لا يستطيع المال كله أن يشتريها.
وفي المرة القادمة التي ترى فيها شخصًا يملك ما تتمنى، لا تقل فقط:
«يا ليت عندي مثل ما عنده.»
توقف قليلًا…
وانظر إلى نفسك، وإلى صحتك، وأهلك، وبيتك، ومن تحب، وإلى الأشياء الصغيرة التي أصبحت عادية لك من كثرة وجودها.
فلعل هناك شخصًا في مكان ما ينظر إليك أنت، ويقول:
«يا ليت عندي بعض ما عنده.»
فالحياة ليست أن تملك كل ما تتمنى…
بل أن تعرف قيمة ما تملك، قبل أن يصبح يومًا أمنية.















