بقلم: الأستاذة نور بنت حسن الغسانية
رئيسة جمعية المرأة العمانية بصلالة.
في حياتنا أشخاص لا يحتاجون إلى المال بقدر حاجتهم إلى من يؤمن بهم. فقد تكون كلمة صادقة، أو يد تمتد في الوقت المناسب، سببًا في أن ينهض إنسان من جديد. وخلال عملي في جمعية المرأة العمانية بصلالة مرَّت بي تجارب كثيرة، لكن هناك تجربة ما زالت تسكن قلبي، لأنها علمتني أن الثقة قد تغيّر حياة إنسان أكثر مما نتخيل.
جاءتني ذات يوم امرأة أنهكتها ظروف الحياة، حتى أصبحت تعاني حالة نفسية صعبة. وقد أخبرها أحد الأشخاص: اذهبي إلى الأستاذة نور الغسانية في الجمعية، ولعل الله يجعل على يديها بداية جديدة لحياتك.
عندما دخلت عليَّ للمرة الأولى، لم أرَ امرأة عادية، بل رأيت إنسانة تحمل في عينيها تعب السنين. كانت نظراتها يغلب عليها الحزن والخوف، وتفتقد الثقة بنفسها وبمن حولها. لم تكن ترغب في الحديث، وكأنها فقدت الأمل في أن تجد من يصغي إليها. عندها أدركت أنها لا تحتاج إلى نصيحة بقدر حاجتها إلى من يشعرها بالأمان.
اقتربت منها بهدوء، وقلت لها: تعالي… أخبريني بما في قلبك، وكل ما تقولينه سيبقى بيني وبينك. شيئًا فشيئًا بدأت تتحدث، وروت لي ما كانت تعيشه من ضغوط ومعاناة أثقلت نفسها، حتى انعكس ذلك على حياتها كلها.
ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة بناء الثقة. كنت أقول لها دائمًا: أنتِ امرأة قوية، وما تمرين به مرحلة وسوف تمضي بإذن الله. ثم شجعتها على الالتحاق ببرامج تدريبية وتأهيلية تساعدها على تطوير ذاتها، واكتساب مهارات جديدة تفتح أمامها أبوابًا للأمل والعمل.
ومع مرور الأيام بدأت أرى التغيير أمام عيني. استعادت ابتسامتها، وأصبحت أكثر تفاؤلًا، واندمجت مع عضوات الجمعية، وكونت صداقات طيبة، وتحولت من امرأة تخشى مواجهة الحياة إلى امرأة تؤمن بقدراتها وتسعى لتحقيق ذاتها.
ولم يكن الطريق خاليًا من التحديات، فقد مرت أسرتها فيما بعد بظروف صعبة، لكنها واجهتها بثبات وصبر. وقفت إلى جانب أسرتها بكل وفاء، وتحملت مسؤولياتها بكل قوة، وأثبتت أن الإنسان حين يستعيد ثقته بنفسه يصبح أقدر على تجاوز المحن ومواجهة الأزمات.
واليوم أصبحت امرأة منتجة، تعتمد على نفسها، وتسهم في خدمة أسرتها ومجتمعها، بعد أن كانت أسيرة للخوف واليأس. وما تحقق لها لم يكن معجزة، بل كان ثمرة إيمان بالله، ثم ثقة بالنفس، وعمل متواصل، وإرادة لا تعرف الاستسلام.
خرجت من هذه التجربة وأنا أكثر يقينًا بأن الخير لا يضيع، وأن الإنسان قد يغيّر حياة إنسان آخر بكلمة، أو باحتواء، أو بثقة صادقة. تلك المرأة لم تكن ضعيفة، لكنها كانت بحاجة إلى من يذكرها بقوتها. وأحمد الله أنني كنت سببًا، بعد توفيقه سبحانه وتعالى، في أن تستعيد نفسها وتنظر إلى الحياة بعينٍ يملؤها الأمل.
وما أجمل أن يكون للإنسان أثرٌ طيب في حياة الآخرين. فربما تكون كلمة صادقة، أو فرصة تمنحها لإنسان، سببًا في أن ينهض من جديد ويصنع مستقبلًا لم يكن يظن يومًا أنه قادر على الوصول إليه. ذلك هو النجاح الحقيقي، وتلك هي أجمل تجربة بقيت محفورة في ذاكرتي.













