بقلم: نور بنت حسن الغسانية
رئيسة جمعية المرأة العمانية بصلالة
في يوم من الأيام، اتصلت بي امرأة مطلقة، لديها ثلاثة أطفال، وكانت ظروفها صعبة جدًا.
كان زوجها من خارج صلالة، ولم يكن ينفق على أبنائه أو يوفر لهم احتياجاتهم، وكانت المرأة غير متعلمة، لكنها لم تستسلم لظروفها، بل حاولت أن تبحث عن مصدر رزق يساعدها على إعالة أبنائها.
ذهبت إلى أحد الأشخاص الذين يعملون في بيع الأجهزة الإلكترونية، وقالت له:
«سوف أعمل معك، وأبيع لك، وتعطيني نسبة من المبيعات».
وافق الرجل، وبدأت المرأة تعمل وتجتهد، وبالفعل استطاعت أن تبيع له ما يقارب ألفي ريال عماني، ولم يتبقَّ عليها إلا مبلغ بسيط، في حدود سبعمائة أو ثمانمائة ريال تقريبًا.
لكن الرجل طالبها بالمبلغ المتبقي، وهددها بالسجن إذا لم تدفعه.
اتصلت بي وهي تبكي بكاءً شديدًا، وكانت أيام رمضان، وكانت حالتها تقطع القلب.
قالت لي وهي تبكي:
«سوف يسجنني».
قلت لها:
«أعطيني رقم الرجل».
تواصلت معه شخصيًا وقلت له:
«يا أخي، هذه امرأة مسكينة، ومطلقة، ولديها أطفال، وظروفها صعبة. أعطني مهلة، وسأحاول أن أجد من يساعدها في توفير المبلغ، ونسعى إلى تسديده لك».
لكنه رفض وقال:
«لن أتنازل عن شيء، أريد المبلغ كاملًا، وإذا لم تأتِ بالمال خلال هذا الأسبوع فسوف أضطر إلى سجنها».
حاولت معه مرة، ومرتين، وأكثر من ذلك، وحاولت أن أقنعه بأن يرحم ظروفها، لكنه لم يستجب.
في تلك اللحظة شعرت أن قلبي سوف ينفجر من شدة الألم.
قلت في نفسي: كيف يمكن أن تصل امرأة إلى هذه الحالة؟ ألا يشعر هذا الرجل بالظروف التي تمر بها؟ ألا يرى أمامه أمًّا خلفها ثلاثة أطفال؟
لم أفكر كثيرًا، واتخذت قرارًا.
تحدثت مع قريباتي، وشرحت لهن وضع هذه المرأة، وقلت لهن إننا نريد أن نجمع لها مبلغًا، كل واحدة بما تستطيع، حتى نخرجها من هذه الأزمة.
ثم اتصلت على قريباتي ومعارفي، وشرحت لهن وضع هذه المرأة، وبدأنا جميعًا في جمع المبلغ المطلوب، كل شخص بما يستطيع، حتى نتمكن من إنهاء هذه الأزمة.
لم يكن الأمر من أجل المرأة وحدها، وإنما من أجل أبنائها أيضًا.
والحمد لله، كان العطاء جميلًا، والجميع ساهم بما استطاع، وكانت المواقف التي رأيتها في تلك الأيام درسًا آخر من دروس الحياة.
وفي آخر لحظة، وقبل أن يُغلق الحساب، وفي حوالي الساعة الثانية فجرًا، وصلتني مساهمة من أهل الخير أكملت المبلغ المطلوب.
عندها شعرت براحة كبيرة.
قلت في نفسي:
«الحمد لله… انتهت المشكلة».
وفي الصباح تواصلت مع المرأة وقلت لها:
«تعالي أنتِ وأخوكِ إلى الجمعية، وسوف أسلمك المبلغ الذي تم جمعه من الأهل والمعارف وأهل الخير، ونذهب معًا إلى كاتب العدل، ويتم تسليم المبلغ وتنتهي هذه المشكلة».
عندما جاءت إلى الجمعية، كانت حالتها يرثى لها.
حتى أخوها كان وضعه صعبًا، وظروفه المادية لم تكن أفضل من ظروفها.
في تلك اللحظة أدركت أن هناك أسرًا كثيرة تعاني بصمت، وأن بعض الناس قد لا يعرفون حجم الألم الذي يعيشه الآخرون خلف أبواب بيوتهم.
والحمد لله، تم سداد الدين، وتخلصت المرأة من تلك الأزمة.
وأحب أن أوضح هنا أن المبلغ لم يكن من مال الجمعية، ولم أقم بتسديده شخصيًا، وإنما تم جمعه بتكاتف الأهل والمعارف وأهل الخير، الذين ساهموا بما استطاعوا، وكان لتعاونهم بعد الله الفضل في إنهاء معاناة هذه الأسرة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل حاولنا مساعدتها في مشروع يساعدها على الاعتماد على نفسها.
وقلت لها:
«انتبهي، لا تأخذي بضاعة أو مالًا من أي شخص إلا بعد أن تتأكدي من أمانته وصدقه، ومن أنه إنسان يعرف الرحمة ويقدر ظروف الآخرين».
ومنذ تلك الحادثة، وإلى يومنا هذا، لم أرَ تلك المرأة مرة أخرى.
لكن قصتها بقيت في ذاكرتي.
أكثر ما يؤلمني في مثل هذه الحالات هو أن تدخل امرأة إلى السجن، وهي أم لديها أبناء يحتاجون إليها.
المرأة هي عمود البيت، وهي ستره ودفؤه، وهي الأم والأخت والزوجة.
ولذلك دائمًا أسأل نفسي:
أين الرحمة؟ أين الشفقة؟ أين الرفق بالقوارير؟
لماذا لا يفكر الإنسان قبل أن يحكم على امرأة بالسجن؟ ماذا سيحدث لأبنائها؟ من سيرعاهم؟ ومن سيحتضنهم؟
أنا لا أعمم، فهناك رجال كثيرون يحترمون المرأة ويقدرون ظروفها ويقفون إلى جانبها، ولكنني أتحدث عن البعض ممن غابت الرحمة عن قلوبهم.
وقد تكون المشكلة مبلغًا بسيطًا، أو دينًا قليلًا، لكنه بالنسبة إلى إنسان فقير قد يكون جبلًا لا يستطيع حمله.
وأنا أؤمن أن الإنسان لا يخسر شيئًا عندما يرحم غيره.
بل على العكس، الرحمة تعود إلى صاحبها خيرًا وبركة وراحة في القلب.
وقد علمتنا الحياة أن الإنسان قد يكون في يوم من الأيام قادرًا على مساعدة غيره، وفي يوم آخر قد يحتاج إلى من يقف بجانبه.
لذلك، لا تسأل دائمًا:
«كم سأربح؟»
اسأل أيضًا:
«كم من إنسان أستطيع أن أساعده؟»
فبعض المواقف لا تحتاج إلى مال كثير، وإنما تحتاج إلى قلب يعرف معنى الرحمة.
وهذه المرأة علمتني درسًا لن أنساه:
لا تسجنوا أمًّا، قبل أن تفكروا في الأطفال الذين ينتظرونها خلف باب البيت.
فالرحمة ليست ضعفًا، والتسامح ليس خسارة، ومساعدة المحتاج ليست فضلًا نتباهى به، وإنما هي واجب إنساني قبل أن تكون أي شيء آخر.
وفي النهاية، أقول لكل من يستطيع أن يساعد إنسانًا في محنته:
لا تتأخر.
فربما تكون أنت السبب بعد الله في أن تعود أم إلى أبنائها، أو أن يعود طفل إلى حضن أمه، أو أن تفتح بابًا للأمل في بيت كان يوشك أن يغلق أبوابه.
وهنا أدركت أن أجمل ما في الحياة ليس ما نملكه، وإنما الأثر الطيب الذي نتركه في حياة الآخرين.
والحمد لله رب العالمين.













