من ملفات العميد حمد الشميسي… جريمة في بوردو “الورقة الأخيرة”

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
«لا تأتي بالأسود لكي تصطاد الثعالب»
وقف العميد حمد أمام الخزنة المفتوحة، يتأمل رزم الأموال والأوراق التي كانت مرتبة بعناية داخلها. كان الكولونيل رينو يقف إلى جواره، وقد بدت على وجهه علامات الدهشة والإعجاب.
قال رينو:
— مسيو حمد، لقد نجحت فيما عجز عنه خبراء الخزائن. وأخيرًا سنعرف الحقيقة الكاملة وراء مقتل مسيو «سام».
ابتسم العميد حمد، لكنه لم يجب.
اقترب منه رينو وقال:
— ولكن أخبرني، كيف عرفت سر هذه الخزنة؟ لقد استعانت السيدة «سارة» بأشهر خبراء فتح الخزائن، ومع ذلك عجزوا عن الوصول إلى سرها. بل إنها أخبرتني أن بداخلها أوراقًا مهمة جدًا، وأن الخزنة لا تُفتح إلا بأحرف، ولا يمكن لأحد أن يتنبأ بهذه الأحرف سوى مسيو «سام».
نظر العميد حمد إلى صديقه وقال بهدوء:
— يا صديقي، من كان يعلم أن مسيو «سام» متزوج من السيدة «روز»؟
أجاب رينو:
— لا أحد.
ابتسم العميد حمد وقال:
— بل هناك شخص كان يعلم بزواج مسيو «سام» من السيدة «روز»، ويعلم أيضًا أنها أنجبت طفلًا، لكنه لا يعرف اسم ذلك الطفل. وهذا الشخص هو الذي جاء بنا إلى هنا، دون أن يدري أنه يقودنا إلى الحقيقة بنفسه.
صمت قليلًا، ثم أضاف:
— كان يريدنا أن نفتح الخزنة، ونستخرج الأوراق، ثم يسلمها لنفسه. وبعدها سيقول لنا: شكرًا، لقد أديتم عملًا جيدًا. لكن ما لا يعرفه هو أننا لم نكن نبحث عن الأوراق فقط، بل كنا نبحث عن القاتل.
قالت النقيب «منى»:
— كولونيل رينو! انظر إلى هذه الأوراق الملفوفة بالخيط الأحمر. تبدو كأنها وصية.
أخذ رينو الأوراق وفتحها بسرعة.
وفجأة تغيرت ملامح وجهه.
قرأ بصوت مرتفع:
«أنا سام روزيللي، وقد منَّ الله عليّ هذا اليوم بطفل من زوجتي روز إلينا. وهذا طفلي الوحيد، الذي سيرث مملكتي التجارية. وبموجب ما أكتبه هنا، يكون سام غوستاف جونيور هو المالك لكل ممتلكاتي المنقولة وغير المنقولة.»
ساد الصمت.
نظر الجميع إلى بعضهم بعضًا.
قال رينو:
— إنها وصية مسيو «سام»!
أجابه العميد حمد:
— والتاريخ؟
نظر رينو إلى الورقة، ثم قال:
— قبل مقتله بشهر كامل.
قال حمد:
— إذن بدأت الحقيقة تظهر.
وبعد الاطلاع على بقية الأوراق، تغيرت الصورة كاملة.
قال العميد حمد للكولونيل رينو:
— ألقِ القبض على مسيو «هنري» ومسيو «مصطفى»، بتهمة التستر على الجريمة، ومحاولة قتل السيدة «روز» وطفلها، ومحاولة الاستيلاء على إحدى شركات مسيو «سام» بطرق غير قانونية.
ثم أضاف:
— ولكن القاتل الحقيقي ما زال أمامنا.
لا تأتي بالأسود لكي تصطاد الثعالب
وقف الكولونيل رينو أمام العميد حمد وقال:
— مسيو حمد، أخبرنا الآن… كيف عرفت القاتل الحقيقي، رغم أن كل الظروف كانت تشير إلى أن مسيو «هنري» ومسيو «مصطفى» هما المسؤولان؟
ابتسم العميد حمد وقال:
— يا كولونيل رينو، علينا أن نعود إلى البداية.
ثم التفت إلى الجميع وقال:
— أولًا، أشكر السيدة «سارة» لأنها هي التي استدعت الشرطة بحجة فتح الخزنة التي عجزت عن فتحها، رغم استعانتها بأكثر من خبير.
وتابع:
— لكن ذكاء مسيو «سام» هو الذي حمى الخزنة وأوراقه. لقد أخفى سر الحروف بطريقة ذكية للغاية. كانت الحروف مرتبطة باسم ابنه «سام غوستاف جونيور».
نظر إلى رينو وقال:
— انظر إلى الاسم جيدًا. ستجد أن حرف السين موجود في «سام»، وحرف الفاء في نهاية «غوستاف»، وحرف الواو في منتصف الاسم، وحرف الراء في نهاية «جونيور». كان الاسم هو المفتاح، والسيدة «سارة» لم تكن تعلم اسم الطفل أصلًا.
ابتسم حمد وقال:
— وهذا هو ذكاء مسيو «سام». لقد ترك مفتاح الخزنة في المكان الذي لن تبحث فيه ابنته أبدًا… في اسم الابن الذي لم تكن تعرف بوجوده.
ثم التفت إلى «سارة» وقال:
— ولذلك، وبذكاء منها، استعانت برجال الشرطة. كانت حجتها مقنعة: والدها قُتل على يد المافيا، وهناك أوراق مهمة داخل الخزنة تريد الوصول إليها. ومن الطبيعي أن تصدق الشرطة مثل هذه الرواية.
صمت قليلًا، ثم قال:
— لولا ظهور «روز» في اللحظة الأخيرة، وكشفها عن زواجها من «سام»، وأنها أم لطفله، وأن «سام» كان قد كتب وصيته وحرم «سارة» من الميراث.
كانت «سارة» تقف صامتة.
تابع العميد حمد:
— عندما وصلت إليكِ، أخبرتك أن والدك قُتل على يد المافيا. اطمأننتِ فورًا، لأن الخطة كانت تسير كما أردتِ. وعندما أخبرتك أن ضابطًا سيشاركنا التحقيق، ارتبكتِ قليلًا، لكن عندما قلت لك إنه صديق لي، تظاهرتِ بالحزن، ووافقتِ على وجودي معنا.
ثم اقترب منها وقال:
— هل كلامي صحيح يا سيدة «سارة»؟
لم تجب.
ظلت صامتة، تنظر إليه بغضب.
قال حمد:
— إذن دعونا نبدأ القصة من البداية.
ذهبت «سارة» إلى والدها، وأعطته صحيفة كانت تدفع لبعض الصحف المال لنشر أخبار كاذبة حسب رغبات أصحابها.
أخبرته أن المافيا استولت على إحدى شركاته في كوبا.
لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا.
كانت «سارة» هي التي سهلت لزوجها الاستيلاء على الشركة، وكتبتها باسم «مصطفى»، مدير أعمال «سام» ومساعده الشخصي.
وعندما علم «سام» بالأمر، استدعى «مصطفى» ووبخه بشدة.
وكانت «روجينا» قد سمعت جزءًا من ذلك الحوار.
لقد أدرك «سام» أن هناك من يستولي على شركاته مستغلًا التوكيل الذي منحه لابنته.
قال العميد حمد وهو يخرج مجموعة من الأوراق:
— وبالمناسبة، هذه الأوراق تؤكد كل ما أقوله.
ناولها للكولونيل رينو، فأعطاها بدوره للسيدة «سارة».
وما إن وقعت عيناها عليها حتى كادت تفقد توازنها.
قال حمد:
— أليست هذه الأوراق التي تبحثين عنها؟
ثم ابتسم وقال:
— قلت لكِ: لا تأتي بالأسود لكي تصطاد الثعالب.
التفت إلى رينو وقال:
— هذه الأوراق تثبت أن «سام» لم يكن يعتبر «سارة» ابنته الحقيقية، بل كانت ابنة أحد موظفيه الذي توفي في حادث، فقام «سام» بتربيتها.
رفع حمد عينيه نحو «سارة» وقال:
— لكنها علمت بهذا الأمر منذ فترة طويلة، وكانت تخشى أن يحرمها والدها من ثروته إذا أنجب طفلًا من صلبه.
ثم أضاف:
— وهذا بالضبط ما حدث.
كان «سام» قد أصبح أبًا.
وكان يريد أن يخبر الكولونيل رينو بالحقيقة، لأنه بدأ يشعر بأن ابنته قد تقتله، أو على الأقل ستسرق ثروته.
كان الرجل قد تقدم في العمر، وأصبح يشعر بالضعف والوحدة.
وفي أواخر أيامه، لم يكن يريد لأحد أن يعرف أنه أصبح أبًا، رغم فرحته الكبيرة بطفله.
كان يخاف من المجهول.
وعندما حملت «روز»، بدأ «سام» يفكر في ترك أعماله المشبوهة والابتعاد عن المافيا، ليعيش بقية حياته مع زوجته وطفله.
لكن ذلك لم يعجب «هنري».
كان «هنري» حلقة الوصل بين والد زوجته والمافيا، وكان يتلقى مقابل ذلك مبالغ ضخمة.
وعندما قرر «سام» إنهاء هذه العلاقة، شعر «هنري» أن مصالحه ستنهار.
فقال لـ«مصطفى»:
— تخلص من «روز» بأي طريقة. نحن نعرف أنها على صلة بـ«سام».
لكن «سام» كان أكثر حذرًا.
اشترى لـ«روز» وطفله بيتًا في قرية «طوننس» القريبة من بوردو، ووضعهما تحت حماية بعض رجال المافيا الذين كان يدفع لهم مقابل حمايتهما.
كان يريد أن ينهي أعماله القديمة، ثم يتزوج «روز» زواجًا شرعيًا.
لكن كان يحتاج إلى بعض الوقت.
وفي تلك الفترة تدخلت «سارة».
بدأت تشوش على والدها، وتخبره بأن المافيا ستنتقم منه إذا ترك العمل معها.
حاولت بكل الوسائل أن تزرع الخوف في قلبه.
لكن «سام» كان ذكيًا وفطنًا، وبدأ يكتشف مخططها.
غير أن نقطة ضعفه كانت ابنه.
فعندما تأتي الأبوة إلى رجل في أعتاب السبعين، فإنها قد تصبح أقوى نقطة ضعف في حياته.
بدأ «سام» يفكر:
ربما تكون تحذيرات ابنته صحيحة.
وربما يكون ابنه في خطر.
لكن «سارة» لم تجد أذنًا صاغية.
وعندما أدركت أن والدها سيكشف مخططها، وأنها ستخسر كل شيء، قررت أن تقتله.
أطلقت «سارة» الرصاص على «سام» داخل غرفة الاجتماعات، حيث لا يمكن للصوت أن يصل إلى الخارج.
ثم أعدت صندوقًا خاصًا، وأطلقت عدة طلقات في أنحاء متفرقة منه، لتوهم رجال الشرطة بأن المافيا هي التي قتلته.
لكنها ارتكبت أخطاء قاتلة.
قال العميد حمد:
— الخطأ الأول كان طريقة القتل وإلقاء الصندوق في البحر وتركه مدة حتى يتعفن.
ثم تابع:
— لم تكوني بحاجة إلى ذلك. فالشرطة عندما تجد مثل هذا الأسلوب، ستبحث مباشرة في سجلات المافيا وأساليبها. ورجال الشرطة لديهم خبرة طويلة في طرق المافيا، خصوصًا في طرق التخلص من أعدائها.
ثم سأل:
— لكن السؤال الأهم كان: لماذا تقتل المافيا رجلًا كان يدفع لها الأموال، ويترك زوجته وطفله تحت حمايتها؟
صمت قليلًا.
— لم يكن هناك سبب.
ثم التفت إلى «سارة»:
— الخطأ الثاني… «روجينا».
ابتسم حمد:
— كانت رفيقة جيدة لنا عندما كنا نفتش في فيلا مسيو «سام».
ثم قال ضاحكًا:
— عندما تكون لديك مشكلة مع والدك، لا تتركي الخدم برفقة رجال الشرطة… فالخدم يثرثرون كثيرًا، ونحن نجيد الاستماع.
ساد الصمت.
ثم قال:
— أما الخطأ الثالث، فكان إصرارك على فتح الخزنة.
قال رينو:
— ولكنها قالت إن هناك أوراقًا مهمة.
أجاب حمد:
— وهذا تحديدًا ما أثار شكوكي. أنتِ الوريثة الوحيدة، وكان الجميع يعتقد أن كل أملاك مسيو «سام» ستنتقل إليكِ. فلماذا كنتِ تصرين على فتح الخزنة؟
ثم نظر إلى «سارة»:
— ولماذا كانت جملة «الفيلا تحت أمركم»؟
وتابع:
— كل من يعرفك يعرف أنك ترفضين تفتيش الفيلا مهما كانت الأسباب. فلماذا سمحتِ لنا بتفتيش جناح والدك فقط، ولم تسمحي بتفتيش الفيلا كاملة؟
توقف لحظة.
ثم قال:
— لأنك كنت تريدين تلك الأوراق بشدة.
وأضاف:
— كنت تعلمين أن مسيو «سام» قد يحرمك من أملاكه، وكنت تعلمين أن هناك امرأة أخرى ستأتي لتأخذ كل شيء.
اقترب منها وقال:
— لذلك أطلقتِ عليه الرصاص بدم بارد، فقط لكي لا تغادري Grand Parc وأنتِ مفلسة.
ثم رفع يده وأشار إلى الأوراق.
— ولكنك ارتكبتِ خطأً قاتلًا آخر.
نظر إلى الكولونيل رينو وقال:
— الرصاص الذي أصاب جسد مسيو «سام» والصندوق أُطلق من مسدس صغير، مسدس شخصي، من عيار 38. وهذا النوع من الأسلحة يستخدمه رجال الأعمال والأفراد، وليس هو الأسلوب المعتاد الذي تستخدمه المافيا في مثل هذه الجرائم.
ثم التفت إلى «سارة»:
— لقد حاولتِ أن تصطادي الثعلب… لكنك جئتِ بثوب أسود، فظهر الثعلب لكِ قبل أن تريه.
كانت «سارة» صامتة.
لم تجد ما تقوله.
قال الكولونيل رينو:
— إذن انتهت اللعبة.
ابتسم العميد حمد وقال:
— بل انتهت الجريمة يا صديقي… أما اللعبة، فلها ملفات أخرى.
ثم التفت إلى رينو وقال:
— والآن يا صديقي، هل نستطيع الاستمتاع قليلًا بأجواء بوردو؟
ثم أضاف ضاحكًا:
— لقد تركت أم هزاع وحدها في الفندق.
ضحك رينو وقال:
— لا تخف، إنها تستمتع بوقتها مع «بافلو».
ضحك العميد حمد.
وللمرة الأولى منذ وصولهم إلى بوردو، شعر الجميع أن ثقل القضية قد انزاح عن صدورهم.
السفر
قالت أم هزاع:
— يا أبا هزاع، لماذا لا تقضي بقية الإجازة هنا؟ أنت و«منى» لم تستمتعا بالإجازة كما يجب. هناك الكثير مما لم ترياه في هذه المدينة الساحرة.
كانت «منى» تمسك بيد «هاجر»، ابنة الكابتن «ليلي»، ثم التفتت إلى أمها وقالت:
— هل ستبقين هنا أم ستغادرين إلى المغرب؟
حاولت «ليلي» أن تخفي حزنها وقالت:
— سأبقى بالتأكيد. هذه بلدي، وأنا فرنسية، وهنا مجتمعي… وسأهب حياتي لهذه الطفلة الشقية.
ضحكت «منى» وقالت:
— حماكِ الله يا صديقتي.
وبعد ذلك توجهت «منى» إلى أخيها وزوجته وقالت:
— أنا جاهزة للمغادرة. لقد اشتقت إلى مسقط… وإلى سريري.
ضحك العميد حمد وقال:
— إذن هيا إلى المطار.
ثم أضاف:
— سنسافر عن طريق مطار شارل ديغول في باريس.
نظرت إليه «منى» باستغراب:
— ولماذا نسافر من باريس؟ ألا توجد رحلات مباشرة من بوردو إلى مسقط؟
ضحك العميد حمد وقال:
— بالتأكيد توجد، ولكننا سنقضي أسبوعًا آخر في ربوع باريس.
ثم وجه حديثه إلى زوجته وأخته:
— ليس من المعقول أن نكون في فرنسا ولا نزور عاصمة النور.
ثم قال:
— والآن… هيا استعدوا للإقلاع إلى باريس الجميلة.
غادرت المجموعة بوردو، بينما بقيت خلفهم مدينة حملت سرًا كبيرًا، وجريمة بدت في بدايتها غامضة، ثم انكشفت خيوطها واحدًا تلو الآخر.
أما العميد حمد الشميسي، فكان يعرف أن كل جريمة مهما أحاطت نفسها بالأسرار، لا بد أن تترك أثرًا.
وكان يؤمن دائمًا بأن:
«الثعالب قد تعرف كيف تختبئ… لكنها لا تعرف كيف تمحو آثار أقدامها.»
وهكذا أُغلق ملف «جريمة في بوردو».

انتهت بحمد الله.
معاني الكلمات:
Grand Parc: ضاحية راقية يسكنها الأثرياء.
Aéroport Charles de Gaulle: مطار شارل ديغول في باريس.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24