بقلم : د. عبد الرحيم الشويلي
تعود بي الذاكرة إلى أوائل سبعينيات القرن الماضي، إلى أيام الدراسة في قسم الأدب الإنكليزي، حين كانت الحياة تبدو أكثر بساطة، وكانت القصيدة تستطيع أن تفتح أمامنا نافذةً واسعة على عالمٍ لم نكن نعرفه إلا من خلال الكتب.
في تلك الأيام الجميلة، تعرّفنا إلى قصيدة The Pulley للشاعر الإنكليزي George Herbert، وكانت أستاذتنا الإنكليزية السيدة Helen تقدّمها لنا بحبٍّ واضح للشعر، وبذلك الصوت الإنكليزي الأصيل الذي كان يضفي على الكلمات موسيقى خاصة، ويجعلنا نشعر بأن القصيدة تُلقى أمامنا لا على صفحات الكتاب.
كنتُ، مع زملائي، مأخوذًا بجمال النص وفكرته الغريبة والعميقة في آنٍ واحد؛ كيف يمكن للشاعر أن يجعل الراحة نفسها شيئًا يُحجب عن الإنسان، وأن يحوّل النقص والقلق والتعب إلى وسيلةٍ تدفعه للبحث عن الخالق؟
وأذكر أنني حاولت آنذاك أن أترجم القصيدة إلى العربية، أكثر من مرة، لكنني كنت أمزّق ما أكتب في كل مرة؛ إذ كنت أشعر أن الكلمات العربية التي أضعها على الورق لا تبلغ جمال الأصل، وأنني أخون موسيقى القصيدة وروحها كلما حاولت نقلها.
ثم أخذتنا الحياة بعيدًا عن مقاعد الدراسة، ومضت السنوات، وتراكمت فوق الذاكرة طبقات العمر والعمل والسفر والتجارب. ومع ذلك، بقيت The Pulley في مكانٍ ما من الذاكرة، تنتظر عودتي إليها.
واليوم، وأنا أعود إليها في خريف العمر، لا أعود إليها بعين الطالب الذي كان يبحث عن المعنى في قصيدةٍ يدرسها، بل بعين إنسانٍ خبر الحياة، وعرف أن كثرة النعم لا تعني بالضرورة امتلاك راحة البال.
لذلك أفتح اليوم تلك الصفحة القديمة من ذاكرتي، وأحاول مرةً أخرى أن أترجم القصيدة إلى العربية؛ لا لأنافس الأصل، ولا لأدّعي أنني أستطيع نقل جماله كاملًا، وإنما لأستعيد شيئًا من ذلك الزمن الجميل، وأردّ التحية إلى قصيدةٍ رافقتني أكثر من نصف قرن.
وربما تكون هذه المحاولة المتأخرة هي أجمل طريقة لأقول للقصيدة: لم أنسكِ.
البَكَرَة…
القصيدة تتحدث عن راحة البال….
ترجمتي الكاملة للقصيدة
GEORGE HERBERT
(1593–1633)
حين خلقَ اللهُ الإنسانَ أولَ مرة،
وكانت إلى جواره قارورةٌ ملأى بالنِّعَم،
قال: «لنسكبْ عليه كلَّ ما نستطيع؛
ولْتتجمّعْ ثرواتُ العالم، المبعثرةُ هنا وهناك،
في راحةِ يده.
كانت القوّةُ أولَ ما انسكب،
ثم تدفّق الجمالُ، ثم الحكمةُ، والشرفُ، والمتعة؛
وحين أوشك كلُّ ما في القارورة أن ينفد،
توقّف اللهُ،
إذ أدرك أن الراحةَ وحدها،
من بين جميع كنوزه،
ما تزال مستقرةً في قاع القارورة.
وقال:
«لو أنني منحتُ هذه الجوهرةَ أيضًا لمخلوقي،
لأحبَّ عطاياي وعبدَها بدلًا مني،
واستراحَ في الطبيعة، لا في إلهِ الطبيعة؛
وعندها نخسرُ نحن الاثنين.
فليحتفظْ بما أُعطيَ من النِّعَم،
لكن ليحتفظْ بها مع قلقٍ لا يعرف السكون؛
ليكن غنيًّا ومتعبًا،
حتى إذا لم يَهْدِه الصلاحُ والخير،
جاءه التعبُ،
فيدفعه في النهاية
إلى صدري».
النص الأصلي
THE PULLEY
GEORGE HERBERT
(1593–1633)
When God at first made Man,
Having a glass of blessings standing by—
“Let us,” said He, “pour on him all we can;
Let the world’s riches, which dispersed lie,
Contract into a span.
So strength first made a way,
Then beauty flowed, then wisdom, honour, pleasure:
When almost all was out, God made a stay,
Perceiving that, alone of all His treasure,
Rest in the bottom lay.
“For if I should,” said He,
“Bestow this jewel also on My creature,
He would adore My gifts instead of Me,
And rest in Nature, not the God of Nature:
So both should losers be.
“Yet let him keep the rest,
But keep them with repining restlessness;
Let him be rich and weary, that at least,
If goodness lead him not, yet weariness
May toss him to My breast.”
نُبْذَةٌ عَنِ الشَّاعِر
جورج هربرت (1593–1633) شاعر ورجل دين إنكليزي، ويُعدّ من أبرز شعراء المدرسة الميتافيزيقية في القرن السابع عشر.
اشتهر بشعره الديني والفلسفي، وتميّزت قصائده بعمق الفكرة ودقّة الصورة وجمال اللغة.
ومن أشهر أعماله The Temple، التي تضم قصيدته الشهيرة The Pulley، موضوع هذا المقال..














