قراءة وتحليل عسكري للسيناريوهات المحتملة لعملية “فجر اليمن”

اللواء الركن فيصل الدليمي

1. المقدمة والسياق الاستراتيجي:
تمثل عملية “فجر اليمن” التي أطلقتها القوات المسلحة اليمنية تحولاً نوعياً في مسار الحرب، وذلك بعد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي الانتقال من مرحلة الاستعداد والتهيئة إلى مرحلة العمل التعرضي الميداني..
إن الهدف المعلن للعملية هو استعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء الانقلاب.
وتشير المؤشرات الأولية إلى أن العملية لا تستهدف مجرد تحسين المواضع الدفاعية على خطوط التماس، بل تسعى إلى استعادة زمام المبادرة وفرض معادلة عملياتية جديدة، تبدأ من مسرح العمليات الساحلي ومضيق باب المندب وتمتد إلى جبهات أخرى..
مع العرض، أن حجم التحول الذي ستحدثه العملية سيظل مرهوناً بقدرة القوات الحكومية وحلفائها على تثبيت المكاسب،والحفاظ على تماسك الجبهات، وتطوير الهجوم لتحقيق الأهداف المرسومة.،وللتذكير، فمنذ إعلان هدنة 2022، اتسم الصراع بحالة اللاسلم واللاحرب، مع خروقات متفاوتة بلغت ذروتها خلال أيلول الماضي، حيث شنت قوات الحوثي هجمات واسعة باتجاه الساحل الغربي والمرتفعات الغربية والجنوبية الغربية لمحافظة تعز، وسيطرت على مناطق ذات أهمية استراتيجية مشرفة على الساحل والجبل والجزر المحيطة بباب المندب، بالتزامن مع تصعيد هجماتها بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة ضد أعيان مدنية ومنشآت نفطية في المملكة العربية السعودية.

*2. مركز الثقل في العملية – باب المندب:* في اليوم الأول لعملية فجر اليمن، برز مضيق باب المندب وجوار الساحل والجبل كمركز ثقل للقتال.
فقد أعلنت القوات المسلحة اليمنية السيطرة على مواقع استراتيجية في باب المندب ومطار ذباب وصولاً إلى المخا،مع استمرار القتال وتراجع ملموس لقوات الحوثي في مرتفعات تعز الغربية والجنوبية الغربية وعلى امتداد الساحل حتى المخا، والتي أمست تحت سيطرة القوات الحكومية، في ظل إسناد جوي كثيف من طيران التحالف العربي.
حيث أعلنت قيادة التحالف مشاركة (100) طائرة مقاتلة وتوفير دعم وإسناد جوي متواصل للقوات الحكومية وتأمين جوي خاص لباب المندب.
وكان التطور الأبرز هو إعلان الحوثيين في 20 تموز 2026 فرض ما يسمى حظراً بحرياً على المملكة العربية السعودية، وتهديدهم للسفن المرتبطة بالموانئ السعودية، واستهداف بعضها بضربات مباشرة، مما اضطر سفن تجارية سعودية أخرى لاتخاذ مسار بديل عبر قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط ورأس الرجاء الصالح، وهو ما رفع كلف الشحن والتأمين. ومن هنا يمكن فهم التركيز في اليوم الأول للعملية على استعادة باب المندب، كمحاولة لمنع تحويل السيطرة الحوثية عليه إلى امتداد للضغط الإقليمي المرتبط بمضيق هرمز. وبعبارة أخرى، فإن أحد الأبعاد الاستراتيجية للعملية يتمثل في منع تشكيل معادلة بحرية تربط هرمز بباب المندب ليعملا كمسرح عمليات واحد يمنح إيران وحليفها الحوثي قدرة متزامنة على التأثير في أهم ممرين بحريين يحيطان بالخليج العربي.

*3. البعد الإقليمي – اتفاق مكة للدفاع المشترك:* تتزامن عملية فجر اليمن مع تطور مهم في بنية الأمن الإقليمي تمثل في اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، والذي أصبح أكثر أهمية بعد تعرض السعودية لهجمات الحوثي. فقد تم عقد يوم 5 تشرين الأول الجاري اجتماع اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية للتحالف في الرياض بمشاركة مسؤولين سعوديين وأتراك وباكستانيين، وأكدت تركيا أن الاجتماع يندرج ضمن عملية مؤسسية لتطوير التحالف ومناقشة التطورات الإقليمية. ويبدو أن هذا التعاون لم يبق في المستوى السياسي فقط، فقد كشفت مصادر أن باكستان أرسلت خلال أيلول الماضي أربع طائرات شحن عسكرية إلى عدن محملة بمعدات شملت أنظمة دفاع جوي ومدفعية خفيفة وطائرات مسيرة وأنظمة مضادة للمسيرات، مع وجود مستشارين عسكريين باكستانيين يعملون مع نظرائهم السعوديين لدعم القوات اليمنية، كما أفادت المصادر باستخدام طائرات مسيرة تركية اقتنتها السعودية قبل هذه الحرب في العمليات داخل اليمن. وتكشف هذه المعطيات عن انتقال هذا التعاون من مجرد إطار سياسي للردع إلى مستوى الدعم العسكري العملي، مع ضرورة التمييز بين الدعم والمشاركة المباشرة في القتال، حيث لا تشير المعلومات المتاحة اليوم إلى قرار باكستاني بإرسال قوات قتالية إلى اليمن، بل إلى دعم القوات اليمنية بالمعدات والمشورة، فيما يتركز الانتشار العسكري الباكستاني داخل السعودية على حماية أراضيها واعتراض الصواريخ والمسيرات. وهكذا أصبح الرد على قوات الحوثي متعدد المستويات: حيث القوات المسلحة اليمنية تنفذ العمليات البرية، والسعودية توفر الإسناد الجوي والقيادة والدعم، بينما توفر باكستان وتركيا قدرات ومعدات عسكرية في إطار التحالف الدفاعي المتنامي.

*4. تفعيل التزامات الدفاع المشترك:* وفي تطور لافت، أعلن تحالف مكة الدفاعي منذ يوم 6 من الشهر الجاري تفعيل التزامات الدفاع المشترك، بما يشمل توفير القوات والقدرات العسكرية ونشرها سريعاً في السعودية، مؤكداً أن أمن كل دولة من الدول الثلاث يمثل اليوم جزءاً لا يتجزأ من الأمن الجماعي للتحالف. ويشير هذا التطور إلى انتقال التحالف من مستوى التنسيق السياسي والدفاعي إلى تفعيل آليات أكثر عملية للردع والاستجابة للتهديدات، كما أن تزامنه مع عملية فجر اليمن يعكس اتساع نطاق التعامل مع التهديد الحوثي من كونه تحدياً للساحة اليمنية إلى كونه جزءاً من معادلة أمنية إقليمية أوسع.

*5. البعد العملياتي – الهجوم الاستراتيجي:* أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية أن قواتهم بدأت تنفيذ هجوم استراتيجي باتجاه صنعاء، وتحدث عن استخدام قدرات حديثة في هذا الهجوم، وذكر أن عملية فجر اليمن مستمرة لتحقيق أهدافها العملياتية. وتكشف هذه اللغة عن تصور بأن هذه العملية قد تتجاوز استعادة مواقع محدودة في الساحل الغربي إلى الضغط على مراكز ثقل السيطرة الحوثية، بما يتسق مع خطاب الحكومة اليمنية. ومن الناحية العملياتية، فإن الانتقال من استعادة مناطق ساحلية إلى تهديد مركز سيطرة الحوثي في صنعاء يمثل اختباراً كبيراً، ذلك أن الإعلان عن هجوم استراتيجي ينبغي قراءته في هذه المرحلة كمؤشر على اتساع أهداف العملية واستمراريتها.

*6. السيناريوهات المحتملة:*

*أ. السيناريو الأول – تثبيت المكاسب والتوسع التدريجي:* قد تنجح القوات المسلحة اليمنية وحلفاؤها في تأمين مضيق باب المندب، ثم تطوير الهجوم إلى جبهات أخرى بصورة متدرجة، بما فيها مدينة صعدة والحديدة وموانئها، مع فتح بقية جبهات القتال على طول خطوط التماس في امتداد الجغرافيا اليمنية…
*ب. السيناريو الثاني – الاستنزاف المتبادل:* ان تمكن قوات الحوثي من امتصاص الضربة الأولى وإعادة تنظيم صفوفها وفتح جبهات موازية، مع تراجع كثافة الإسناد الجوي، مما يدخل الطرفين في حرب استنزاف طويلة…
*ج. السيناريو الثالث – تحويل الضغط العسكري إلى مسار تفاوضي:* قد يؤدي الضغط العسكري وإعادة تشكيل موازين القوة إلى فتح نافذة جديدة للتفاوض من موقع قوة مختلف عن المراحل السابقة..

*7 •الخاتمة:* مع العرض، لا يبدو من الممكن حتى الآن الجزم باعتماد أي من هذه السيناريوهات، لأن عملية فجر اليمن لا تزال في بداياتها، وتحت جغرافية طبيعية جبلية وعرة ومعقدة.
والحروب دائماً معروفة بداياتها، ولكن لا تُعرف مدياتها ونهاياتها إلا الله تعالى.
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ}
وإلى الله ترجع الأمور…

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24