بلحمدي رابح البليدة /الجزائر
أمةٌ عجيبةٌ هذه التي نعيش فيها؛ تُصفّق بحرارةٍ للرجل الذي يُنادي بـ«بالجهل المقدّس»، ثم تنقلبُ فتُصفّق بحرارةٍ أكبر للرجل الذي يُقدّس «النصّ المنسوخ المستورد » .
وبين التصفيقتين، يضيعُ الطفلُ الذي كان يريدُ أن يتعلّم القراءة، والعالمُ الذي كان يريدُ أن يكتشفَ الدواء، والأمةُ التي كانت تحلمُ بأن تُعيدَ مجدًا.
ما يميّزُنا حقًّا أننا أمةٌ أنتجنا، على مرّ قرنٍ كامل، صنفين من العقول لا يقبلان النقاش:
· صنفٌ يعتقد أن العقل إذا لمس تراثَه أمسكَ به الشيطان، فصار يُقدّس الحجرَ ويتباركُ بالماء الراكد، ويتحدّثُ عن «أسرارٍ» لا يفهمُها أحد، بينما ترك القرآنَ مهجورًا على الرفّ يجمُّ الغبار.
· صنفٌ يعتقد أنه إذا فكّك كلَّ شيءٍ فلن يبقى شيءٌ يُفكَّك، فصار يُسمّي الإلغاءَ «نقدًا»، والانسلاخَ «حداثة»، والتبعيةَ «أكاديمية»، حتى ما بقيَ عنده من الدين إلا حرفٌ تعلّقه كبروشٍ أنيقٍ في مؤتمرٍ دوليّ.
ونحن، المساكين، صرنا مخيّرين بين «إمامٍ» لا يعرفُ أين يوقفُ عقلَه، و«مفكّرٍ» لا يعرفُ أين يبدأُ قلبَه. والأدهى: كلٌّ منهما يُصفّق له جمهورٌ، ويُموَّل بمؤسّسات، ويُوسَّع صدرُه على صفحات الصحف. ويبقى السؤال المؤلم: مَن يحرسُ الدينَ من أهله، ومَن يحرسُ العقلَ من صيّادي الكولونيالية الجديدة؟
#الفصل الأول: من يُقدّس الجهل (طريقٌ من البدعة إلى الصندوق)
في أحد الأحياء المزدحمة، يقفُ «الشيخُ» على منبره، يشرحُ للفقراء أن «العلمَ نورٌ، والدنيا ظلام، فلا تُتعبوا أبناءَكم بعلوم الكفار». ثم يبيعُ «حجابًا» ثلاث ألاف دينار، و«ماءً مرقيًّا» بثلاث ألاف أخرى ، و«زيارةً» للمقام بقبضة اخرى من المال.
والأعجب أن الخطبة كلَّها تحملُ توقيعًا واحدًا: «سكوتٌ عن الكتاب والسنة». فالقرآن مذكورٌ لفظًا، والحديثُ يُروى بأسانيدَ مهترئة، لكن «الصحيحين» لا يُذكران إلا في المناسبات. ولماذا؟ لأن الصحيحَ لا يبيعُ «كرامة»، ولا يُموّل حملةً انتخابية فاسدة ، ولا يُخيفُ ناخبًا حتى يُصوّت.
هؤلاء صنعوا صناعةً مزدهرة اسمها «الدين»، لكن دينَهم ليس دينَ الرسول ﷺ؛ بل امتزاجٌ غريبٌ بين تراثٍ صوفيّ منحرفٍ كان يبني «مقامًا» على كل رجمٍ وكل قبّة، وأحزابٍ دينيةٍ صارت تُوزّع «الدينَ» كما تُوزَّع «الخبزة»: على من يُصوّت، على من يُلبّي، على من يُطيع.
وهم، في الحقيقة، صيّادو الجهل، لا حرّاسُه. لأنهم لا يخشون الجهل؛ بل يخشون الوعي. الوعي يُحرّر، والحريةُ تُفقدهم مصدرَ الرزق. فماذا يفعلون؟ يُقدّسون «السكوت»، ويُسمّون الأدواتَ التي حفظت الدين — من علم التجويد إلى علم الجرح والتعديل — «تعمّقًا لا يلزمُ العامة». والقرآنُ يُقرأُ بلا تدبّر، والحديثُ يُروى بلا تمييز، والعقولُ تُخرَّجُ مُبرمَجةً على الطاعة لا على البحث. وكم من «طالب علمٍ» يُنهي دراستَه ولا يعرفُ كيف يُميّزُ موضوعًا من موضوع، أو صحيحًا من ضعيف، أو سنّةً من بدعة. وقد حذّر الحافظ السيوطي من أن «السكوت عن الجرح لا يحل لأحد من المؤمنين»، لأن في السكوت ذهابَ السنة كما ذهبت سننُ الأمم قبلنا.
ثم يُعلنون عليك الحرب إذا قلتَ لهم: «لماذا لا تُعلّمون الناسَ السنةَ الصحيحة؟» فيقولون: «أنت من المتطرّفين». وهكذا، يُنتجون «تطرّفًا» أشدَّ من التطرّف الذي يزعمون محاربتَه، لأن الجاهلَ الذي يحسبُ نفسَه عالمًا أخطرُ من الجاهل الذي يعرفُ جهلَه.
#الفصل الثاني: من يقصّ العقل — فخٌّ في ثوبٍ أكاديمي
على الضفّة الأخرى، يجلسُ «المفكّرُ» في مؤتمره، ببدلةٍ غربية، يحملُ كتابًا في «تفكيك النص»، ويُحدّثُك عن «اللامفكر فيه» بلهجة مَن يعرفُ السرّ. ويبدأ الكلام:
· «الثوابتُ ثقافية، والوحيُ بشرٌ ملبوسٌ بثياب الأسطورة» — وكأن القرآنَ نزلَ على قومٍ فقط.
· «علمُ الحديث علمٌ بشريٌّ كأي علم» — وكأن رجالَ الإسناد لم يبذلوا دماءَهم لتمحيص الروايات.
· «علومُ القرآن تعبيرٌ عن سياقٍ تاريخي» — وكأن التجويدَ لم يكن يومًا جسرًا لصيانة كلام الله من التحريف.
هذا هو العقلُ المستقيل: عقلٌ انسحبَ من ميدان المعركة، وتفرّجَ عليها من المدرجات، ثم ظنّ أنه انتصر. وقد نحتَ الجابريُّ هذا المصطلحَ للدلالة على «التراجع المعرفي وبالتالي ضحالة الناتج الحضاري للإنسان العربي الذي سيكون في نهاية الأمر مفعولًا به محدود الأفق، سلبيًّا في مقابل الآخر الغربي المنتصر حضاريًّا». هذا التشخيصُ، رغم قسوتِه، يحملُ جزءًا من الحقيقة. لكن الإشكالَ يكمن في أن الجابريَّ حوّلَ هذا التشخيصَ إلى حكمٍ إبستمولوجيٍّ مسبقٍ يُسقطُه على التراث الإسلامي كلِّه، عبر مفهوم «القطيعة الإبستمولوجية» المستعار من باشلار، الذي «يؤكد أن القطيعة الإبستمولوجية هي شرط ضروري لتطور العلم»، دون مراعاة الفروق الجوهرية بين قطيعة العلم عن الأسطورة، وقطيعة العقل المسلم عن وحيه.
وقد كان الجابريُّ نفسُه واعيًا بهذه الإشكالية، فحصرَ مهامَه بـ«النقد الإبستمولوجي» دون أن يتعرضَ لـ«قضايا الدين»، لكن هذا الحصرَ — حتى لو كان حسنَ النية — أنتجَ أثرًا عكسيًّا: فقد قرأَ التراثَ الإسلامي كأنه مجردُ نظامٍ معرفيٍّ بشري، متجاهلًا أن هذا التراث يحمل في طياته وحيًا إلهيًّا وأصولًا قطعيةً لا تقبل «القطيعةَ» بالمعنى الباشلاري. وقد أدت هذه القراءةُ إلى «أسْرِ العقل العربي في إشكاليات مغلقة»، كما انتقدَه جورج طرابيشي في «نقد نقد العقل العربي».
أما أركون، فقد ذهبَ أبعدَ من ذلك، حين جعلَ من المقدّس «ظاهرةً أنثروبولوجية»، ووظّفَ مفهومَ «الجهل المقدّس» الذي صاغه أوليفييه روا في كتابه «الجهل المقدس أو زمن الديانة بلا ثقافة». والمشكلةُ ليست في نقد الدوغمائية — فهي مشروعةٌ ومطلوبة — بل في أن أركون لم يُفرّق بين الدوغمائية المكتسبة من القراءات البشرية والثوابت الدينية القطعية التي لا تخضع لمقصلة «التفكيك». وقد كشفت دراسةٌ نقديةٌ أن مشروعَ أركون عانى من «فوضى المناهج» نتيجة «إخضاع النص القرآني وتطويعه قسرًا ليستجيب لمناهج غربية جاهزة منزوعة عن سياقاتها التاريخية والثقافية».
#الفصل الثالث: مَن يلعبُ بالثوابت — كولونياليةٌ بثوب «إصلاح»
هنا بيتُ القصيد. ليس كلُّ من يقصّ العقل مأجورًا، لكنّ من يستفيدُ من قصّه ليس بالضرورة من نجوم المؤتمرات؛ بل قد يكونُ من يقفُ خلفَهم مموّلًا ومؤطّرًا: مراكزُ أبحاثٍ تُموّل «مشاريع تجديد»، شرطُها الأول: لا تمسّ «الخطوطَ الحمراء» التي رسمَتها هي للغرب. ومنحٌ لبحوثٍ عن «المرأة في الإسلام»، تشترطُ أن يُقدَّمَ الإسلامُ مشكلةً، لا حلًّا. ومنابرُ تُفتحُ لمن يهاجمُ «التطرّف»، لكنها تُغلقُ في وجه من يهاجمُ الاستعمارَ الجديد.
وهكذا، يُصنعُ مشروعٌ كامل: «حرّروا عقولَكم من الدوغمائية»، ثم يُقدَّمُ «التحريرُ» في أوراقٍ نقدية، و«الثوابتُ» تُشترى بالتقسيط. والسذّجُ يظنّون أنهم يُصلحون، وهم يُنفّذون. وعلاماتُ «التنوير» عندهم: علَمٌ يُرفع، وقبعةٌ تُلبس، وكتابٌ يُترجمُ من الإنجليزية، ثم حربٌ مفتوحةٌ على كل من يقول: «أنا مسلمٌ وتراثي جزءٌ منّي». فمن يحمي الأمةَ حينها؟ لا من الجهل المقدّس، ولا من العقل المستقيل، ولا من الذين يُشترون بالعملة الصعبة.
#الفصل الرابع: الطريقُ الثالث — لا تقديسَ ولا تمييع
الحلُّ ليس بين هذين الطرفين، بل فوقهما. ومقولتُه البسيطة:
احفظْ آلياتِ الدين، وحرّرْ عقلَ الدنيا، ولا تبِعِ الثوابتَ، ولا تُقدّسِ البدع.
هذا التمييزُ هو المفتاح:
· الثوابتُ: كتابٌ وسنّةٌ متواترةٌ وإجماعٌ وفهمُ صحابةٍ وعلماءِ أمةٍ مجتهدين. وقد أكّدت الدراساتُ أن «دائرة الثوابت أقل نسبيًّا مقارنةً بدائرة المتغيرات»، وأن القضايا الثابتة في مصطلحات علوم القرآن «ترجع إلى ما ثبت بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، ويدخل في ذلك ما أجمع عليه العلماء». هذه لا تُفكَّك، ولا تُقصّ، ولا تُترجمُ إلى «مشروع» في مؤتمر.
· التراثُ الاجتهاديُّ: تفسيرٌ، وحديثٌ (من حيث الرواية والفهم)، وفقهٌ، ولغة. هذا نتاجٌ بشريٌّ يُنقد، ويُصحَّح، ويُراجَع، مع حفظ جهد أصحابه وفضلهم. ولا تُهاجمُ آلياتُه — كعلم الجرح والتعديل، وعلم مصطلح الحديث، وعلم أصول التفسير — باسم الحداثة.
· العلومُ الدنيوية: الطبُّ، والهندسة، والفيزياء، والتقنية، والإدارة، والفنون النافعة. هنا تُستخدمُ كلُّ المناهج التجريبية والتقنية، بلا حدود، وبلا خجل، لأن الله أمرَ بالسير في الأرض والنظر في الآفاق.
وبينها أدواتُ الحفظ التي لا تُلمس:
· علومُ القرآن: الرسمُ، والقراءاتُ، والتجويد، والناسخُ والمنسوخ، وأسبابُ النزول. هذه حِمَى الوحي. وقد أثبتَ التاريخُ أن «القراءات المتواترة محققةٌ للصيانة والحفظ»، وأن القرآنَ تميّزَ عن كل الكتب السابقة بأنه «دوّنَ وحُفظَ بالكتابة منذ عهد النبي ﷺ وبإشرافه واعتنائه الزائد».
· علمُ الحديث: الإسنادُ، والجرحُ والتعديل، وتمييزُ الصحيح من السقيم. وقد وصفَ العلماءُ هذا العلمَ بأنه «روحُ علم الحديث وفسطاطُه الذي يقوم عليه تمييزه»، وأنه «لولا أن أئمتنا كثرت عنايتُهم بأمر الدين فحفظوا السنن على المسلمين لضبطهم الإسناد… لظهرَ في هذه الأمة من التبديل والتحريف ما ظهرَ في الأمم الماضية».
· علومُ اللغة: النحوُ، والصرفُ، والبلاغة. هذه حِمَى الفهم.
ومن حملَ على هذه الأدوات، فقد حملَ على الدين ذاته، وإن زعمَ أنه يُنقّيه.
#الفصل الخامس: تحريرُ التعليم — بابُ النهضة الحقيقي
ولا يُبنى شيءٌ من هذا إن بقيَ تعليمُنا آلةً لتخريج النُّسخ، لا لتنمية العقول. وقد أشارت الدراساتُ إلى أن «نظامَنا التعليمي يعتمدُ على التلقين كوسيلةٍ وحيدةٍ في عملية نقل المعرفة وتكوين المفاهيم»، وأن «التلقينَ ليس مجردَ وسيلةٍ لتبليغ المعارف، بل في حقيقة أمره شكلٌ من أشكال فرض السلطة، لا يتركُ للطفل مجالًا للفهم والإدراك والتساؤل». والنتيجة: «مناهجُ أتلفت عقولَ الطلاب، وأفقدتهم صلتهم بماضيهم وقدرتَهم على رؤية حاضرهم، واستشرافَ مستقبلهم».
وتحريرُ التعليم يعني:
· اكتشافَ مواطن القوة عند التلميذ وتنميتها، لا قولبتها. وقد أكّد التربويون أن «من حق أطفالنا علينا أن توفرَ لهم مناهجَ وبرامجَ تعليميةً شاملة، تشحذُ الفكر وتغذّي العقل، وتستشيرُ القدرات، وتستنفرُ الميول وتعزّزُ الخيال».
· الجمعَ بين التربية الشرعية والتربية العلمية الحديثة، بلا انفصام.
· تعليمَ اللغات وأدوات البحث، لا الحفظَ الأعمى.
· فتحَ مسارات الإبداع: المخابرَ، والورشَ، والمسرحَ، والرياضةَ، والفنون.
· إعادةَ الاعتبار للمعلّم: كرامةً، وتكوينًا، وأجرًا.
#الفصل السادس (والأخير): رؤيةٌ تخيّلية — عام 2050
تخيّل، لبرهة، أننا اخترنا الطريقَ الثالث. تخيّل أنك تستيقظُ في عام 2050:
في القاهرة، شابٌّ في الثالثة والعشرين يقودُ مختبرًا للأدوية، حفظَ القرآنَ في العاشرة، وأتمّ أطروحتَه في الصيدلة في الثامنة عشرة، وله براءةُ اختراعٍ في دواءٍ أنقذَ ملايين. لا يرى تناقضًا بين المصحف والمجهر، ولا بين الصلاة والبحث.
في الرياض، فتاةٌ تدرّسُ الذكاءَ الاصطناعيَّ في جامعة، وتُشرفُ على مشروعٍ لتشخيص الأمراض بالصورة الطبية. جدّتُها فقيهة ، وأمُّها كانت من جماعةٍ دعوية، وقد ورثَت عنهما: قلبًا حنونًا، وذاكرةً حديثية، وعقلًا تجريبيًّا لا يخاف.
في وهران عالِمٌ في الفيزياء النظرية، ترجمَ كتابًا في أصول الفقه، ودرّسَ مقارنةَ الأديان في كرسيٍّ جامعي. يقولُ لطلابه: «نقدي للتراث لا يعني تمزيقه، وتقديسي للوحي لا يعني تجميدَ العقل».
في إستانبول، مهندسةٌ معماريةٌ تُعيدُ تصميمَ مسجدٍ بحيث يكونُ صفرَ انبعاثات، وتكتب: «العمارةُ عبادة، والبيئةُ أمانة».
في طرابلس والخرطوم وبغداد وصنعاء والجزائر، أطفالٌ يقرأون في الوقت نفسه سيرةَ ابن هشام وتاريخَ الفيزياء الحديثة، ويتعلّمون الجدلَ بأدب، والبحثَ بأمانة، والاختلافَ بأخلاق.
وفوق ذلك كله، مؤسسةٌ واحدة اسمها: «المجمع العلميُّ للأمة». لا يُقبلُ فيه إلا عالمٌ يجمعُ بين علوم الدين وعلوم الدنيا. لا يقبلُ «شيخًا» لا يعرفُ دنياه، ولا «باحثًا» لا يعرفُ دينه. وفي هذا المجمع، يُناقَشُ كلُّ جديد: من الذكاء الاصطناعي، إلى الهندسة الوراثية، إلى العملات الرقمية. وتُستفتى فيه الأمة، لا يُستفتى فيه الغرب.
عندها، لا يكونُ «الجهلُ المقدّسُ» سوقًا، ولا «العقلُ المستقيلُ» وسامًا، ولا «الكولونياليةُ» صندوقًا يدفع. عندها يعرفُ الغربُ أن هذه الأمةَ ليست سوقًا للاستهلاك، ولا مقلبًا لنظرياته. عندها تُقرأُ كلمةُ «مسلم» في الغرب باحترامٍ لا بريبة، وتُقرأُ كلمةُ «عربي» بكلمة «عالِم» لا بكلمة «لاجئ».
#في الخاتمة : يا هذه الأمة، اختاري
بين فخّ التجديد الذي يبيعُ الثوابت، وبئر الجمود الذي يبيعُ العقول، تقفُ أمةٌ مضطربة. وفي يدها خيارٌ واحدٌ صعب، لكنه قابلٌ للتحقيق:
أن تُحافظَ على آلياتِ دينها كما تحافظُ على عينها، وتُحرّرَ عقلَها في الدنيا كما تُحرّرُ الطيرَ في سمائه، ولا تبيعَ ثوابتَها لمن لا يريدُ خيرًا بها.
فإن فعلَت، لم يعدِ السؤال: «أين نحن من الغرب؟» بل يصبح: «أين الغربُ منّا؟» — لا سؤالُ تبعيةٍ، بل سؤالُ مساهمة. وحينها فقط، تصبحُ هذه الأمةُ أمةً قارئة، عالمة، رحيمة، شامخة. أمةً تُصلّي لله، ولا تُصلّي للرماد، وتنتظرُ نارَ إبداعها، لا نارَ فتنها.
هذه ليست نبوءة؛ هذه مسؤولية.















