حين نشتري الاسم لا السلعة… كم ندفع من أجل «البراند»؟

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

قد تحمل امرأة حقيبة لا تتجاوز وظيفتها أن تحفظ هاتفًا ومحفظة وبعض الأغراض الصغيرة، لكنها دفعت فيها مئات، وربما آلاف الريالات. وقد يرتدي آخر حذاء يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها حذاء آخر بعُشر ثمنه تقريبًا.

فما الذي اشتريناه هنا؟

*هل اشترينا السلعة، أم اشترينا الاسم المكتوب عليها؟*

لفت انتباهي مؤخرًا مقطع تتحدث فيه امرأة مع زوجها عن أسعار الحقائب والعلامات التجارية، وكان السؤال البسيط في ظاهره يفتح بابًا أكبر بكثير: لماذا تبلغ بعض المنتجات أسعارًا خيالية لمجرد أنها تحمل اسم علامة عالمية؟

لا شك أن للعلامات التجارية المعروفة قيمة حقيقية في كثير من الأحيان؛ فهناك جودة، وتصميم، وتطوير، ورقابة، وضمان، وخدمة، وتسويق، وسمعة تراكمت عبر سنوات. ولذلك ليس من العدل أن نقول إن كل منتج غالي الثمن لا يستحق شيئًا من فارق السعر.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاسم نفسه إلى سلعة.

فأنت لم تعد تدفع فقط مقابل الجلد الذي صُنعت منه الحقيبة، أو القماش الذي صُنع منه القميص، أو المواد التي صُنع منها الحذاء؛ بل تدفع أيضًا مقابل الشعار، والإعلان، والمتجر الفخم، والمشاهير الذين يروّجون للمنتج، والأهم من ذلك كله: الصورة الاجتماعية التي ارتبطت بذلك الاسم.

وهذا ليس مجرد انطباع. دراسات في سلوك المستهلك وجدت أن قوة اسم العلامة التجارية يمكن أن تزيد استعداد المستهلك لدفع سعر أعلى، كما أن دراسات للسلع الفاخرة ربطت جزءًا من قيمتها لدى بعض المستهلكين بإشارات المكانة والتميز الاجتماعي.

وهنا أتذكر مشاهد وتقارير شاهدتها عن مصانع في دول مثل بنغلاديش وغيرها، حيث تُنتج الملابس والسلع لصالح أسواق وعلامات عالمية. العامل الذي يقف ساعات طويلة أمام ماكينة الخياطة لا يرى شيئًا يشبه السعر النهائي الذي سيدفعه المستهلك في متجر فاخر في مدينة أخرى من العالم.

وهذا لا يعني أن المنتج الأصلي والمقلد شيء واحد، ولا أن كل ما يحمل علامة تجارية مبالغ في سعره؛ فالأصالة والجودة والرقابة والتصميم وسلسلة التوريد كلها أمور لها قيمتها. لكن المشهد يجعلنا نسأل أنفسنا:

كم من السعر دفعناه مقابل المنتج، وكم دفعناه مقابل الاسم؟

الأغرب من ذلك أن بعضنا لا يشتري العلامة لأنه يحتاج إلى جودتها، بل لأنه يريد أن يراها الآخرون.

وهنا تنتقل المسألة من الاقتصاد إلى النفس.

فالحقيبة لم تعد حقيبة، والساعة لم تعد ساعة، والحذاء لم يعد حذاء؛ أصبحت الأشياء رسائل نرسلها إلى الآخرين:

انظروا ماذا أملك.

انظروا ماذا أرتدي.

انظروا إلى أي طبقة أنتمي.

وقد يصل الأمر بإنسان متوسط الدخل إلى أن يدفع جزءًا كبيرًا من راتبه، أو يدخل في الأقساط والديون، ليشتري شيئًا يستطيع شراء بديل يؤدي الغرض نفسه بأقل كثيرًا، فقط لأن ذلك البديل لا يحمل الاسم الذي يريد أن يراه الناس.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

هل أنا أملك «البراند»، أم أن «البراند» أصبح يملك قراري؟

لا مشكلة أن يشتري الإنسان شيئًا جميلًا وغاليًا وهو قادر عليه ويرى أنه يستحق ثمنه. ولا ينبغي أن نحاكم الناس على أذواقهم أو أموالهم. ولكن المشكلة أن نقيس قيمتنا بما نلبسه، وأن نرهق أنفسنا لنقنع الآخرين بصورة ليست حقيقتنا.

فمن المؤسف أن يحمل الإنسان حقيبة بآلاف الريالات وفي قلبه قلق بسبب الديون. وأن يقود سيارة فارهة وهو عاجز عن الوفاء بالتزاماته. وأن يشتري ساعة غالية ليعرف الناس قيمتها، بينما لم يسأل نفسه يومًا عن قيمة الوقت الذي تقيسه تلك الساعة.

وهنا نعود إلى قاعدة بسيطة تحدثنا عنها من قبل:

ليس كل ما أريده أحتاجه.

قبل أن تشتري منتجًا لأن عليه اسمًا عالميًا، اسأل نفسك: لو أزلنا الشعار عنه، هل سأظل أريده؟ لو لم يعرف أحد ثمنه، هل سأدفع فيه المبلغ نفسه؟ هل أشتريه لجودته، أم ليعرف الناس أنني أستطيع شراءه؟ وهل يستحق الفرق في السعر فعلًا ما سأحصل عليه من فرق في الجودة؟

هذه الأسئلة البسيطة قد توفر علينا الكثير من المال، وربما الكثير من اللهاث خلف الآخرين.

فالمال الذي يأتي بعد ساعات وأيام وسنوات من العمل أكبر من أن ننفقه فقط من أجل نظرة عابرة من شخص قد ينسى بعد دقائق ماذا كنا نرتدي.

اشترِ الجودة حين تستحق. واستمتع بمالك فيما ينفعك ويسعدك. واشترِ العلامة التي تحبها إن كنت قادرًا عليها ورأيت فيها قيمة حقيقية.

ولكن لا تجعل شعارًا صغيرًا مطبوعًا على حقيبة أو قميص أو حذاء يقرر مكانتك وقيمتك أمام الناس.

فالبراند قد يرفع سعر ما ترتديه، لكنه لن يرفع قيمة من يرتديه.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24