بقلم: الدكتورة ريم الحشّار
تفتحُ الشاشاتُ أحيانًا نوافذَها على أطيافٍ من الماضي الجميل، تُعيد إلينا دفء وجوهٍ ظننّا أن زحامَ الأيام قد طمسَ أثرَها.
ففي يومٍ من الأيام، وبينما كنتُ مسترخيةً على أريكتي أتفقدُ هاتفي في هدوء، لمعت على الشاشة رسالةٌ مباغتة: «السلام عليكم دكتورة، هل تتذكرينني؟»
وإذا بغيومِ اليومِ تنقشع في لحظة، وتراقصَ قلبي فرحًا بابتسامةٍ عريضة؛ وكيف لأمثالي أن ينسوا تلك الابتسامةَ الصبوح؟
إنها فاطمة، وجهٌ يحملُ النقيضَ كلّه: يتأرجحُ بين الطوارئِ والسلام، ويجمعُ بين حرارةِ الداخلِ ورقّةِ الربيع، وتتجسّدُ فيه قوةُ التحدي إلى جوارِ انعدامِ الحيلة.
كانت فاطمة تعاني من أمراضٍ مزمنةٍ متلاحقة؛ سكريٍّ متذبذب، وضغطِ دمٍ يصرخُ بأرقامٍ قياسيةٍ خياليةٍ تصل أحيانًا إلى مئتين وعشرة على مئةٍ وخمسةٍ وتسعين، وسكرٍ يعجزُ الجهازُ عن استيعابه! وكانت ضيفتي التي تزورني في عيادةِ الصحةِ المهنية، لا لطلبِ الدواءِ فحسب، بل لتسكبَ بعضًا من ثقلِ أوجاعها وتفضفض. وكنتُ، رغم قلقي العميقِ عليها، أجدُ متعةً بالغةً في الحديث معها.
فاطمة امرأةٌ عاملة، متزوجةٌ وأم، تعملُ في مدينةٍ تبعدُ عن موطنِ استقرارِ أسرتها نحوَ ثلاثِ ساعات. كان بُعدُها عن أبنائها كابوسًا يُؤرقها، لكنها لا تُظهر منه شيئًا على محيّاها الباسم. تغلي من الداخل، وتبدو كالغيثِ الشافي والبلسمِ من الخارج.
وما زاد «الطينَ بلّةً» أن المؤسسةَ التي تعملُ بها كانت تمرُّ بهيكلةٍ إداريةٍ مضطربةٍ وضبابية، جعلت الموظفين في خوفٍ دائمٍ على مصيرهم. كانت تخشى حتى أخذَ إجازتها الاعتيادية، وهي بأشدِّ الحاجة إليها، فقد شهدت بنفسها زميلًا لها يُوضعُ في خانةٍ «بدون عمل» ــ ليس له مسمّى وظيفي ــ ويُسلبُ منه مكتبه لمجرد غيابه في إجازةٍ سنوية، بل كان بعضهم يعودُ ليجدَ أمتعته الملمومة في صندوقٍ أودِعَ عند الأمانات دون سابق إشعار!
وبحكمِ موقعي كطبيبةٍ مسؤولةٍ عن صحةِ الموظفين، كان عليَّ أن أفكك أبعادَ معضلتها؛ فالمرضُ هنا ليس مجردَ حبرٍ على ورقٍ أو أرقامٍ صامتة، بل هو نتاجُ ضغوطٍ نفسيةٍ ووظيفيةٍ واجتماعيةٍ ومالية. وعندما سألتها يومًا عن سرِّ تمسّكها بهذه الوظيفة، أجابت بكسرةِ قلب: «زوجي يعملُ سائقَ أجرة، وأنا المعيلُ الأساسيُّ لبيتي وأطفالي».
سألتُها عن مديرها، فأثنت عليه بأنه إنسانٌ راقٍ بالدرجة الأولى، إلا أن القراراتِ المصيرية تصدرُ من القيادات العليا. وهنا أوضحتُ لها أن تعزيزَ صحةِ الموظف ليس قرارًا نابعًا من القيادة الوسطى فحسب، بل هو توجّهٌ استراتيجيٌّ ملزمٌ تشريعيًّا من الإداراتِ العليا.
مرت السنوات، وكانت كلما دخلت عليَّ أدركُ أن خلفَ ضحكتها المبتهجة مصيبةً طبيةً جديدةً ستكشفُ عنها الفحوصات. حتى فاجأتني في إحدى الزيارات بخبرِ حملها!
صرختُ في وجهها بعتبٍ محب: «يا فاطمة! أدويةُ الضغطِ والسكري التي تتناولينها خطرٌ على الجنين ولا تناسبُ الحمل، يجبُ تغييرها فورًا بالتنسيق مع طبيبةِ النساءِ والولادة!»
فقالت بابتسامتها المعتادة: «لا تقلقي يا دكتورة؛ ولهذا أنا هنا، أريدُ منكِ تحويلًا».
والابتسامةُ والضحكاتُ على وجهها مستمرة.
كانت زياراتها بمثابةِ شحناتٍ كهرومغناطيسيةٍ تتجاوز عشرةَ آلاف فولت؛ أتوترُ لأجلها، وأحملُ همَّ صحتها، وأبحثُ لها عن أفضل الأطباء، وهي ثابتةٌ على ابتسامتها الوضّاءة.
وفي إحدى الجلسات، خطرت في بالي فكرةٌ لحلِّ معضلتها الصحيةِ والمهنية، وقلتُ: لعلّي أُباحثها في شأنها.
فقلتُ لها: «مؤسستكِ لها فرعٌ رئيسيٌّ في بلدتكِ القريبةِ من أهلكِ، لماذا لا تطلبين النقل؟» خاصةً أنكِ امرأة، وجسدكِ قد لا يحتملُ كلَّ هذا الضغط عليه، وكان من الأولى تثبيتُ عملها منذ البداية في بلدتها؛ لأن احتياجاتِ المرأةِ الجسديةَ والنفسيةَ والاجتماعية، وتركيبتها البيولوجية، تتطلبُ حضورها النفسيَّ الكاملَ بالقرب من أسرتها وأبنائها.
فأجابت بأنها طلبته بالفعل، وساعدها مديرها في إتمام هذا الطلب، ولكن الخوفَ من فقدانِ الوظيفة في ظلِّ ظروفها الصحية كان يكبّلها.
فقلتُ لها مؤكدةً: «بل إن وضعكِ الصحي هو الورقةُ الرابحة للإسراعِ في نقلكِ، ومؤشراتكِ الطبية ستعتدلُ حتمًا فورَ أن تنعمي بالاستقرارِ النفسي».
فطلبت مني الدعواتِ الصادقةَ التي كانت تبحثُ عنها كبصيصِ أملٍ نفسي، يُسكّن ألمَ قلقها المزمن.
مرت الأشهر، وولدت فاطمة بسلام، ورغم خوفها الذي لازمها طوال إجازةِ الوضع من قرارِ إنهاء الخدمة، إلا أن المعجزةَ حدثت؛ فبعد مباشرتها للعمل بثلاثةِ أسابيع، زُفّت إليها البشرى بنقلها رسميًا إلى فرعِ المؤسسةِ في مسقطِ رأسها!
واليوم، عبرَ تلك الرسالةِ الدافئة التي وصلتني بعد كل هذه السنوات، سألتُها بتودّد: «هل أنتِ مرتاحةٌ الآن؟»
جاءني ردُّها ينبضُ بالسكينة: «الحمد لله يا دكتورة، استقرت صحتي، وأنا الآن أحضن أطفالي وأعيشُ بين عائلتي».
إن أجسادنا ليست سوى مرآةٍ صادقةٍ لأرواحنا؛ تصدحُ بالألمِ حين نكتمه، وتصرخُ بالأرقامِ حين نعجزُ عن الشكوى. وما حالةُ فاطمة إلا تذكيرٌ حيٌّ بأن العافيةَ لا تُستجدى بالمسكناتِ وحدها، بل تبدأُ من أمانِ الروح، واستقرارِ الجسد، وقربِ مَن نحب.
إنها قصةُ أملٍ تُخبرنا أن الصبرَ الباسمَ، مهما طال ظلامه، فإن فرجَه قادمٌ لا محالة، وأن خلفَ كل ضغطٍ مهنيٍّ نتحمله، قلبًا يرجو أن يعودَ في نهايةِ المطافِ سالمًا إلى دياره.













