كتبه : خالد غواص
حين نتحدث عن خريف ظفار فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا تلك السحب المنخفضة التي تعانق الجبال والرذاذ المتساقط والضباب الذي يغطي المرتفعات والمروج الخضراء التي تكسو الأرض وتلك الأجواء الاستثنائية التي تجعل ظفار وجهة يقصدها الزوار من مختلف أنحاء السلطنة وخارجها .
لكن هل تساءلنا يوماً: ما الدور الذي تؤديه جبال ظفار في هذه المنظومة الطبيعية الفريدة؟
جبال ظفار ليست مجرد مرتفعات تحيط بالسهول المطلة على بحر العرب وليست مجرد منظر طبيعي جميل نستمتع به خلال موسم الخريف بل هي جزء مهم من منظومة بيئية ومناخية متكاملة تتفاعل فيها الرياح الموسمية والرطوبة وحرارة سطح البحر والتضاريس الجبلية لتشكل الظروف التي نعيشها خلال موسم الخريف
وفق الأبحاث والدراسات العلمية المنشورة التي تشير إلى أنه خلال أشهر الصيف تنشط الرياح الموسمية الجنوبية الغربية القادمة من جهة المحيط الهندي وتحمل معها كميات كبيرة من الرطوبة وعندما تصل هذه الكتل الهوائية الرطبة إلى سواحل ظفار تتفاعل مع تضاريس المحافظة ولا سيما الجبال فتصعد الكتل الهوائية إلى المرتفعات مما تؤدي تلك المرتفعات إلى إنخفاض درجة حرارتها ليؤدي ذلك بدوره إلى تكاثف بخار الماء وتكوّن السحب والضباب والرذاذ ،
وهكذا تبدأ تلك اللوحة الطبيعية التي نطلق عليها نحن أبناء ظفار ” الخريف ” .
وتستمر هذه العملية المناخية لأسابيع فتتحول الجبال إلى مساحات خضراء شاسعة وتنمو الأعشاب والشجيرات والزهور وينتشر الضباب والرذاذ على المرتفعات لتصبح ظفار خلال هذه الفترة واحدة من أكثر المناطق تميزاً وجذباً في المنطقة
لذا السؤال الذي يجب أن نطرحه جميعاً هو:
إذا كانت الجبال جزءاً من هذه المنظومة الطبيعية الفريدة، فكيف نحافظ عليها ؟
إن جبال ظفار تمثل ثروة طبيعية وطنية والمحافظة عليها يجب ألا تكون قضية تخص جهة أو مؤسسة أو فئة معينة وإنما مسؤولية مشتركة لأنها مورد طبيعي وسياحي وبيئي وإقتصادي يستفيد منه الجميع ،
ولذلك فإن أي إقتطاع للمساحات الطبيعية من الجبال أو تغيير كبير في طبيعتها أو أي توسع عمراني غير مدروس ينبغي أن يخضع لأعلى درجات الحماية والدراسة البيئية والمناخية
فالمسألة ليست مجرد فقدان قطعة من الأرض
عندما نفقد جزءاً من الطبيعة الجبلية فإننا نفقد جزءاً من المشهد الطبيعي الذي يميز ظفار ونقتطع شيئاً من الثروة التي انتقلت ووصلت لهذا الجيل عبر الأجيال السابقة .
هناك حديث متداول عن تبعية جبال ظفار لوزارة الإسكان والتخطيط العمراني وما يثيره ذلك من مخاوف لدى المواطنين من إمكانية التوسع في توزيع الأراضي أو إقتطاع مساحات من المناطق الجبلية بهدف الإثراء السياحي
ومن وجهة نظري المتواضعة فإن القضية الأهم ليست في الجهة التي تتبع لها هذه الجبال أو لمن يتم إخضاع تبعيتها وإنما في كيفية التعامل معها وإدارتها وحمايتها ،
فالجبال ثروة وطنية كما أسلفنا سابقا ومهما أختلفت الجهات المسؤولة عنها فإن المصلحة العامة تقتضي أن تبقى المناطق الجبلية ذات حساسية بيئية و مناخية محفوظة من التوسع العمراني العشوائي وأن تكون أي مشاريع مستقبلية فيها مبنية على دراسات علمية دقيقة تراعي طبيعة المنطقة وتأثيراتها البيئية والمناخية
كما يجب ألا ننظر إلى حماية الجبال على أنها تعارض التنمية
بل على العكس تماماً حماية الطبيعة يمكن أن تكون أحد أهم أشكال وأقوى ركائز التنمية المستدامة ،
فموسم خريف ظفار لا يمثل قيمة جمالية فقط وإنما أصبح رافداً إقتصادياً مهماً لمحافظة ظفار والسلطنة عموماً فتوافد الزوار والسياح لا يتوافدوا الى المحافظة من اجل الاستمتاع بمنتجع على البحر او مقهى او شاليه او المباني بقدر ماهم يأتون للإستمتاع بتلك اللوحة الربانية التي تكسو جبال ظفار ذلك الإخضرار وتلك اللوحة الربانية الجميلة الفريدة التي اعطت للمحافظة هذه الميزة التي ميزتها عن سواها على مستوى المنطقة والإقليم بشكل عام فموسم خريف ظفار ينعش الحركة الإقتصادية بالبلاد بشكل عام فمعه تنشط العديد من القطاعات كالطيران والنقل والفنادق والمطاعم والتجارة والعقار والخدمات والأنشطة المختلفة ويوفر فرصاً إقتصادية يستفيد منها المواطن والقطاع الخاص والأقتصاد الوطني
ولهذا فإن الحفاظ على جبال ظفار يعني في الوقت ذاته الحفاظ على أحد أهم مقومات السياحة في المحافظة والبلاد بشكل عام ،
نحن اليوم أمام مسؤولية تاريخية
فما نراه من خضرة وضباب ورذاذ وجمال خلال موسم الخريف ليس أمراً مضموناً إلى الأبد إذا لم نحافظ على مقوماته الطبيعية أو إذا ما تسبب الإنسان بتدخلاته العشوائية في منظمومة تلك الظاهرة الإستثنائية المتمثلة في ظاهرة المناخ التي تشهدها محافظة ظفار لتشكل ما نسميه بموسم خريف ظفار وأستشهدنا بها في بداية هذا الطرح كونها محل دراسات علمية وأبحاث مثبتة
ولهذا نحتاج إلى رؤية واضحة تضع حماية جبال ظفار ضمن أولويات التخطيط المستقبلي وتحافظ على المناطق الجبلية والغطاء النباتي والمراعي والمواقع الطبيعية وتمنع أي استخدام قد يؤدي إلى تشويه طبيعتها أو تقليص مساحاتها دون دراسة علمية شاملة إن التنمية الحقيقية ليست في استغلال كل شبر من الأرض وإنما في معرفة أي أرض يمكن أن تُستغل وأي أرض يجب أن تبقى محفوظة للأجيال القادمة ولمستقبل المحافظة والوطن
فجبال ظفار من الأراضي التي تستحق أن نحافظ عليها فهي ليست مجرد جبال
إنها جزء من هوية ظفار وجزء من جمالها وجزء من ثروتها الطبيعية وأحد أهم مقومات موسمها السياحي وإرث يجب أن نتركه للأجيال القادمة كما ورثه هذا الجيل
فلنحافظ عليها اليوم
ليبقى خريف ظفار غداً
وليظل خريف ظفار مستمراً أخضر جميلاً للأجيال القادمة.
………….
الأحد : ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦م











