بقلم: الأستاذة نور بنت حسن الغسانية
رئيسة جمعية المرأة بصلالة
في الحياة قصص لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالصبر، والإيمان، والإرادة. هناك أشخاص تبدأ رحلتهم من نقطة يكاد الأمل فيها ينطفئ، لكنهم يؤمنون بأن الله لا يضيع من أحسن السعي، وأن لكل ضيق فرجًا، ولكل كفاح ثمرة. وما سأرويه اليوم ليس حكاية من الخيال، بل تجربة حقيقية تؤكد أن الإنسان يستطيع أن يغيّر واقعه إذا امتلك العزيمة، ووجد من يأخذ بيده إلى الطريق الصحيح.
جاءني ذات يوم شابٌ يتيم، وهو أكبر إخوته، وقد أثقلت الحياة كاهله. كان يحمل شهادة الدبلوم العام، لكن ظروفه كانت أقسى من أن توصف. كانت والدته وأخواته السبع يعتمدن عليه، ولم يكن للأسرة منزل يؤويها، بل كانوا يعيشون في بيت مستأجر، يعانون ضيق العيش وقلة الحيلة.
دخل عليّ والدموع تملأ عينيه، يطلب أي وظيفة تعينه على تحمل مسؤوليات أسرته. تأثرت كثيرًا بحاله، وبذلت كل ما أستطيع للبحث عن فرصة عمل، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، لكن كثرة مخرجات الدبلوم العام وصعوبة الحصول على وظيفة مناسبة حالت دون ذلك.
بعد فترة من المحاولات، قلت له: لقد بذلت جهدي، ولكن لدي فكرة قد تكون أفضل من انتظار الوظيفة. سألته: هل ترى في نفسك ميولًا للتجارة؟ وهل لديك الاستعداد لخوض تجربة عمل خاص؟
أخبرته أن المشاريع الصغيرة قد تكون بداية لمستقبل كبير، وأن النجاح في التجارة يحتاج إلى إعداد وتخطيط قبل أن يحتاج إلى رأس مال. لذلك اقترحت عليه أن يخضع أولًا لتدريب على ريادة الأعمال، وأن يستفيد من خبرات التجار الناجحين.
وافق الشاب بحماس، وكنت أرى في عينيه طموحًا كبيرًا ورغبة صادقة في تغيير حياته. تواصلت مع أحد الأشخاص المعروفين بخبرتهم التجارية، وطلبت منه أن يستقبل الشاب ويوجهه. وبالفعل، أمضى فترة يتعلم منه أساسيات التجارة وإدارة المشاريع، حتى أصبح أكثر استعدادًا لبدء طريقه.
بعد ذلك سعيت لمساعدته في الحصول على قرض من بنك التنمية العماني بقيمة ألفي ريال عماني ليبدأ مشروعه الخاص. واجهتنا عقبة كبيرة، وهي عدم وجود كفيل، فالشاب وأسرته كانوا في غاية العسر، ولا يملكون ما يساعدهم على تجاوز هذا الشرط.
لكن إذا أراد الله أمرًا هيأ له أسبابه. فقد قيض الله رجلًا كريمًا، ليس من كبار رجال الأعمال، لكنه كان صاحب قلب كبير، ناجحًا في تجارته، محبًا لفعل الخير. شرحت له ظروف الشاب، فلم يتردد في كفالته، فله مني كل الشكر والتقدير، ولكل إنسان يمد يد العون لغيره دون انتظار مقابل.
بفضل الله، اكتملت الإجراءات، وحصل الشاب على القرض. ثم قال لي بثقة: سأفتتح مشروعي، ولكن ليس في منطقتي، بل في منطقة أخرى أرى أن فرص النجاح فيها أكبر.
مرت ستة أشهر فقط، وإذا بالشاب يعود إليّ مرة أخرى، ولكن هذه المرة كان مختلفًا تمامًا. رأيت السعادة والثقة ترتسمان على ملامحه، وتحدث إليّ بروح التاجر الواثق، وقال مبتسمًا:
“تصدقين يا أم مروان، لو عُرضت عليّ اليوم وظيفة براتب ألف ريال عماني فلن أقبلها، فقد وجدت في التجارة الخير والبركة، لكنها تحتاج إلى فهم، وصبر، وإدارة صحيحة.”
حمدت الله كثيرًا على ما وصل إليه. فقد أصبح الشاب يعيل والدته وأخواته، ثم تزوج، ورزقه الله أبناء، وتحول من شاب يبحث عن فرصة عمل إلى رجل أعمال ناجح، بل أصبح قدوة لكثير من الشباب. والأجمل من ذلك أنه لم ينس أيام الحاجة، فأصبح يتصدق، ويساعد المحتاجين، ويمد يد العون للفقراء كما مُدت إليه يومًا.
إن هذه التجربة تؤكد أن النجاح لا يبدأ دائمًا بوظيفة، بل قد يبدأ بفكرة، ونصيحة صادقة، وتدريب جيد، وإرادة لا تعرف الاستسلام. فكل من يمتلك عقلًا تجاريًا وروح المبادرة يستطيع أن يصنع لنفسه مستقبلًا مشرقًا، ومن لم يمتلك الخبرة فباب التعلم مفتوح، فالحياة مدرسة، وأفضل الدروس هي تلك التي نتعلمها من تجاربنا وتجارب الآخرين.
أسأل الله أن يرزق كل شاب وشابة طريقًا يحقق لهم الكرامة والاستقرار، وأن يبارك في كل يد تمتد لمساعدة الآخرين، فبالتكافل تُبنى المجتمعات، وبالإرادة تُصنع قصص النجاح.















