د. سمير خليل الخفاف
ليس الوطن مجرد أرضٍ تحدّها الخرائط، ولا الدولة مجرّد سلطة ترفع رايةً وتفرض قانوناً. فالوطن، في معناه الإنساني العميق، هو المكان الذي يشعر فيه الإنسان أن وجوده مصان، وكرامته محفوظة، وصوته مسموع، ومستقبله ليس رهناً بمزاج الحاكم أو قوة السلاح. ومن هنا يبرز السؤال المؤلم: هل عاش العراقيون، عبر قرون طويلة، في وطنٍ مستقل تسوده العدالة الاجتماعية، أم أنهم ظلوا، في أغلب مراحل تاريخهم، أسرى أنظمة استبدادية تتبدّل أسماؤها ولا يتغير جوهرها؟
إن الإجابة العادلة لا ينبغي أن تكون تبسيطية أو انتقامية من التاريخ؛ فالعراق لم يكن دائماً فضاءً واحداً من الظلم، كما لم يكن دائماً نموذجاً للحرية والعدالة. لقد عرف هذا البلد عصوراً ازدهرت فيها الثقافة والعلوم والإدارة، وظهرت فيه مدن كبرى ومراكز حضارية تركت أثراً عميقاً في الإنسانية. غير أن ازدهار الحضارة لا يعني بالضرورة أن الإنسان العادي كان يعيش حياة كريمة. فقد تزدهر العمارة في ظل الفقر، وتنتشر المعرفة داخل طبقة محدودة بينما تُحرم الأغلبية من حقوقها، وتُرفع شعارات المجد فيما يبقى الفرد عاجزاً أمام السلطة.
الدولة التي لا تحمي الإنسان
المشكلة الأساسية في التجربة العراقية ليست غياب الدولة، بل غياب الدولة العادلة. فقد وُجدت سلطات قوية وجيوش وإدارات وقوانين، لكن الدولة كثيراً ما تحولت من وسيلة لتنظيم المجتمع إلى أداة للسيطرة عليه. وحين يصبح الحاكم فوق القانون، وتتحول الطاعة إلى معيار المواطنة، يفقد الوطن معناه الأخلاقي، ويتحول المواطن إلى تابع لا إلى شريك.
الدولة المستبدة لا تحتاج دائماً إلى القمع المباشر؛ يكفي أن تنشر الخوف، وأن تجعل الناس يراقبون كلماتهم وعلاقاتهم وأفكارهم. وفي مثل هذا المناخ لا يعود الإنسان قادراً على بناء حياة طبيعية، لأن كرامته تصبح مشروطة بالولاء، ورزقه مرتبطاً بالقرب من السلطة، وأمانه متوقفاً على صمته.
لقد عانى العراقيون، في مراحل مختلفة، من أنظمة حكم مركزية وشخصانية وعسكرية، جعلت الدولة مرتبطة بإرادة القائد أو الحزب أو المؤسسة المسلحة. وكان الانقلاب العسكري، في كثير من الأحيان، بديلاً عن التداول السلمي للسلطة، وأصبح السلاح طريقاً إلى الحكم بدل أن يكون أداة لحماية المجتمع. وهكذا لم تُبنَ الشرعية على رضا الناس، بل على القدرة على إخضاعهم.
الاستبداد العسكري وتدمير السياسة:
حين يتدخل الجيش في السياسة، لا تتضرر الحكومات وحدها، بل تتضرر فكرة المواطن نفسه. فالسياسة تقوم على الحوار والاختلاف والتفاوض، بينما تقوم المؤسسة العسكرية على الأوامر والانضباط والطاعة. وعندما تُدار الدولة بعقلية الثكنة، يُنظر إلى المعارضة بوصفها خيانة، وإلى النقد بوصفه تمرداً، وإلى المواطن بوصفه رقماً في مشروع السلطة.
والاستبداد العسكري لا يقتل الحرية السياسية فقط، بل يفسد المجتمع كله. فهو يعلّم الناس النفاق، ويكافئ الانتهازية، ويجعل الصراحة خطراً، ويمنح الأقوى حق تعريف الحقيقة. ومع مرور الزمن، ينشأ جيل يتعلم أن النجاة أهم من العدالة، وأن الصمت أكثر أمناً من المشاركة، وأن الإنسان لا يحميه القانون بل يحميه نفوذه أو انتماؤه أو قربه من السلطة.
وهنا تكمن الكارثة الحضارية: فالقمع لا يصنع مواطنين، بل يصنع رعايا؛ ولا يبني دولة، بل يبني جهازاً يخشى الناس من سلطته. والرعية تبحث عن الحماية، أما المواطن فيطالب بالحقوق. وبين المفهومين مسافة حضارية شاسعة.
هل الاستقلال السياسي يعني الحرية؟
قد تكون الدولة مستقلة في قرارها الخارجي، لكنها غير مستقلة في داخلها عن الاستبداد. فالاستقلال الحقيقي لا يقتصر على امتلاك علمٍ وجيشٍ وحدود، بل يتطلب استقلال الإنسان داخل وطنه: استقلاله عن الخوف، وعن التمييز، وعن الحاجة إلى التملق، وعن سلطة الجماعة حين تتحول إلى قيد على الفرد.
لا يمكن الحديث عن وطن مستقل ما دام المواطن لا يملك حق الاعتراض، ولا يستطيع تغيير الحاكم، ولا يضمن محاكمة عادلة، ولا يحصل على فرص متساوية في التعليم والعمل والعلاج. السيادة التي لا تنعكس على حياة الناس تتحول إلى شعار فارغ، والاستقلال الذي لا يحرر الإنسان من الإذلال يبقى استقلالاً شكلياً.
العدالة الاجتماعية الغائبة:
العدالة ليست أن يحصل الجميع على الشيء نفسه، بل أن تتاح للجميع فرصة إنسانية متكافئة في الحياة. غير أن المجتمعات التي حكمتها العصبيات السياسية والطائفية والقبلية والمناطقية عانت من توزيع غير عادل للثروة والسلطة والفرص. وفي كثير من الأحيان، لم يكن معيار التقدم هو الكفاءة، بل الانتماء والولاء والقرابة.
إن الفقر وحده ليس المشكلة؛ فالمشكلة الأعمق هي أن يشعر الإنسان بأن فقره مفروض عليه، وأن ثروة وطنه لا تعود إليه، وأن أبناءه لا يملكون مستقبلاً إلا عبر الهجرة أو التبعية أو الانخراط في شبكات النفوذ. عندها يتحول الوطن من مجال للانتماء إلى سبب للاغتراب.
والعدالة الاجتماعية لا تُقاس بعدد المشاريع ولا بحجم الموارد، بل بقدرة الدولة على حماية الضعيف من القوي، ومنع احتكار الثروة، وضمان التعليم والصحة والسكن والعمل الكريم. فإذا عجزت الدولة عن ذلك، أصبحت التنمية مجرد واجهة، وأصبح العمران منفصلاً عن الإنسان.
مسؤولية المجتمع لا السلطة وحدها:
مع ذلك، لا يجوز تحميل الحكام وحدهم مسؤولية كل ما جرى. فالاستبداد لا يعيش بالسلاح فقط، بل يجد أحياناً جذوراً في الثقافة الاجتماعية حين تُقدَّس الطاعة، ويُنظر إلى الحاكم بوصفه أباً أو منقذاً، ويُقبل الظلم إذا صدر من شخص ينتمي إلى الجماعة نفسها. إن رفض الاستبداد يبدأ من رفضه في الوعي اليومي: داخل الأسرة، والمدرسة، والحزب، والمؤسسة، والعلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الأغلبية والأقلية.
المجتمع الذي يطالب بالديمقراطية في الدولة لكنه يمارس القمع داخل البيت، أو يرفض الرأي المختلف، أو يبرر الظلم حين يصيب خصومه، لم يتحرر بعد من الاستبداد، بل غيّر موقعه منه. فالحرية ليست نظاماً انتخابياً فقط، وإنما ثقافة تعترف بإنسانية الآخر، وبحقه في الاختلاف، وبكرامته حتى حين لا نتفق معها.
عراق الوطن لا عراق السلطة:
يمكن القول إن العراقيين عاشوا، في مراحل كثيرة، بعيداً عن شروط الحياة الإنسانية الكريمة، لا بسبب نقص في تاريخهم أو ثقافتهم أو قدراتهم، بل بسبب تعاقب أنظمة جعلت السلطة غاية، والمواطن وسيلة. لقد وُجدت حضارات عظيمة، لكن الحضارة السياسية والاجتماعية التي تضع الإنسان في مركز الدولة لم تترسخ بصورة مستقرة في دولنا.
إن العراق لا يحتاج إلى حاكم قوي بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات قوية، ولا يحتاج إلى خطابات تمجّد الماضي بقدر ما يحتاج إلى نقد شجاع له، ولا يحتاج إلى سلطة تخاف من شعبها، بل إلى دولة تستمد قوتها من احترامه. فالوطن الحقيقي هو الذي لا يطلب من مواطنيه أن يختاروا بين الحرية والأمان، أو بين الكرامة والخبز، أو بين الانتماء والصدق.
وحين يصبح القانون فوق الحاكم، والكرامة فوق الطائفة، والمواطنة فوق الولاء، والإنسان فوق السلطة، يمكن عندها أن يبدأ العراق بالخروج من تاريخ الرعية إلى مستقبل المواطن؛ ومن دولة الخوف إلى دولة العدالة؛ ومن وطنٍ يُطلب من أبنائه أن يموتوا من أجله، إلى وطنٍ يمنحهم أسباب الحياة.
ارجوا نشر الموضوع وألحث على التثقيف بالموضوع لاهميته.
تحياتي
٢٠٢٦/١٠/٣















