النعمة التي لا نراها… لماذا لا نعرف قيمة الأشياء إلا بعد فقدها؟

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

ما أغرب الإنسان…

يمشي على قدميه كل يوم، فلا يفكر فيهما، حتى تؤلمه إحداهما.

يستيقظ معافى، فيبدأ يومه منشغلًا بما ينقصه، حتى يمرض فيصبح أكبر أمانيه أن يستيقظ كما كان.

يسمع صوت أمه كل يوم، وربما يؤجل مكالمتها لأنه مشغول، حتى يأتي يوم يتمنى فيه لو يسمع منها كلمةً واحدة.

يجلس أبوه في زاوية البيت، فيعتاد وجوده حتى يكاد يصبح جزءًا من تفاصيل المكان، ثم يرحل… فيكتشف أن ذلك الرجل الهادئ كان جزءًا من أمان البيت كله.

نذهب إلى أعمالنا متذمرين من الاستيقاظ المبكر، حتى يفقد أحدنا عمله، فيشتاق إلى صباح كان يكرهه.

ونعود إلى بيوتنا فلا نلتفت إلى نعمة السقف والأمن والأسرة، حتى نرى إنسانًا فقد بيته، أو وطنه، أو أهله.

فلماذا نرى النعمة بوضوح حين تتحول إلى ذكرى؟

النعم التي اعتدناها

لعل المشكلة أن الإنسان يعتاد النعمة.

وكلما طالت صحبتها له، قلَّ شعوره بها.

يصبح الأمن أمرًا طبيعيًا.

والصحة أمرًا مفروغًا منه.

ووجود الوالدين شيئًا دائمًا.

والزوج أو الزوجة جزءًا من الروتين.

والأبناء ضجيجًا يوميًا.

والراتب رقمًا يصل نهاية الشهر.

والوقت شيئًا كثيرًا سنفعل به ما نريد… لاحقًا.

حتى تأتي الحياة أحيانًا فتأخذ واحدًا من هذه الأشياء، فنكتشف فجأة أن ما كنا نسميه «عاديًا» كان نعمة عظيمة.

ولذلك يقول الله تعالى:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18].

تأمل جمال التعبير: لم يقل نِعَم الله، وإنما جاءت ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾، وقد بيّن المفسرون أن المراد جنس النعم لكثرتها وتنوعها؛ فهي أكثر من أن يستطيع الإنسان حصرها، فضلًا عن أداء شكرها كاملًا.

الصحة… التاج الذي لا نراه

كم تبلغ قيمة يوم بلا ألم؟

لا نعرف.

لأننا نعيشه مجانًا.

نأكل، ونمشي، وننام، ونصعد الدرج، ونتنفس، ونرى، ونسمع، ونحرّك أصابعنا دون أن نفكر في آلاف النعم التي تعمل داخل أجسادنا بصمت.

حتى يتعطل شيء صغير.

حينها لا نريد سيارة جديدة، ولا سفرًا، ولا بيتًا أكبر.

نريد فقط أن يزول الألم.

ولذلك قال النبي ﷺ:

«نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ». رواه البخاري.

إننا أحيانًا نملك ثروةً اسمها العافية، لكننا لا نعرف أننا أغنياء.

الوالدان… نعمة لها موعد لا نعرفه

ومن النعم التي يخدعنا دوامها الظاهر: الوالدان.

نقول: سأزورهم غدًا.

سأتصل لاحقًا.

سأجلس مع أبي عندما أنتهي من أعمالي.

سآخذ أمي إلى المكان الذي تحبه عندما أتفرغ.

لكن الحياة لا تعطينا جدول مواعيدها.

وقد يأتي يوم تدخل فيه بيت والديك، فتجد الكرسي نفسه…

ولا تجد صاحبه.

عندها تصبح التفاصيل الصغيرة كنوزًا:

صوت الأب.

دعاء الأم.

السؤال المتكرر: أين كنت؟

حتى العتاب الذي كان يضايقك، قد تتمنى سماعه مرة أخرى.

فلا تنتظر الفقد لتصبح بارًّا.

بعض الزهور لا معنى لأن تحملها إلى القبر، إذا كنت تستطيع أن تقدمها لصاحبها وهو حي.

والأسرة… هؤلاء الذين نظن أنهم باقون

كذلك الزوج والزوجة والأبناء.

قد نعيش مع أقرب الناس إلينا، ومع ذلك نعطي أجمل كلماتنا للغرباء.

نبتسم لزملائنا، ثم نعود إلى البيت بوجه متعب.

نستمع للناس بالساعات، ثم نقول لابننا: ليس لدي وقت.

نتعامل مع وجود من يحبوننا كأنه مضمون.

لكن الأسرة ليست أثاثًا ثابتًا في المنزل.

الأطفال يكبرون.

والأبناء يغادرون.

والوجوه تتغير.

والسنوات تمضي.

سيأتي يوم يصبح فيه ضجيج الأطفال الذي كنت تطلب منهم إيقافه صمتًا تتمنى لو يعود.

فلا تقضِ أجمل سنوات أسرتك وأنت تنتظر مرحلة أجمل منها.

قد تكون المرحلة الجميلة هي التي تعيشها الآن.

العمل الذي نتذمر منه

ليس كل إنسان سعيدًا بعمله، ومن حق الإنسان أن يبحث عن الأفضل.

لكن هناك فرقًا بين الطموح وبين ألا يرى المرء نعمة ما في يده.

الوظيفة ليست راتبًا فقط.

إنها قدرة على الإنفاق.

واستقلال.

وإحساس بالإنجاز.

وباب تستطيع من خلاله إعالة أسرة، وتعليم طفل، ومساعدة والدين، والتصدق على محتاج.

كم من شخص يستيقظ صباحًا متذمرًا لأنه ذاهب إلى العمل…

وفي البيت المقابل إنسان يستيقظ متمنيًا لو وجد عملًا يذهب إليه.

اطمح إلى الأفضل، لكن لا تحتقر النعمة الحالية وأنت في طريقك إليها.

والأمان… نعمة لا صوت لها

من أعظم النعم تلك التي لا نشعر بها لأنها لم تحدث.

أن تنام ولا تخاف أن يهدم بيتك.

أن يذهب طفلك إلى المدرسة ويعود.

أن تخرج إلى الطريق مطمئنًا.

أن تجد الماء والكهرباء والطعام.

أن تعود إلى بيت تعرف أنه ينتظرك.

الأمان نعمة هادئة؛ لا نسمع صوتها وهي موجودة، لكننا نسمع ضجيج غيابها حين تفقدها المجتمعات.

ولهذا ليس كل ما يستحق الشكر شيئًا أُعطي لك.

بعض النعم أشياء صرفها الله عنك، وأنت لم تعرف عنها شيئًا.

والوقت… النعمة التي تتحول إلى عمر

أما الوقت، فهو أغرب النعم.

نقول: غدًا.

والأسبوع القادم.

بعد أن أرتاح.

عندما أتقاعد.

عندما يكبر الأبناء.

ثم نكتشف أن الحياة نفسها كانت تختبئ داخل تلك الأيام التي كنا نحاول تجاوزها للوصول إلى شيء آخر.

لا تؤجل الحياة كلها إلى المستقبل.

اقرأ الكتاب.

زر والديك.

العب مع أبنائك.

قل لمن تحب إنك تحبه.

صلح ما تستطيع إصلاحه.

واستمتع بالفنجان الذي بين يديك.

فالوقت لا يغادرنا دفعةً واحدة…

إنه يرحل دقيقةً دقيقة، ونحن نسمي ذلك حياة.

الشكر… أن ترى قبل أن تفقد

قال الله تعالى:

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].

والشكر ليس كلمة الحمد لله باللسان فقط، وإن كانت عظيمة.

أن تشكر صحتك يعني أن تحفظها.

وأن تشكر والديك يعني أن تبرهما.

وأن تشكر أبناءك يعني أن تمنحهم وقتك.

وأن تشكر مالك يعني ألا تبدده.

وأن تشكر عملك يعني أن تؤديه بأمانة.

وأن تشكر وقتك يعني ألا تقتله فيما لا ينفع.

فالشكر الحقيقي أن تعامل النعمة كما لو كنت تعرف قيمتها قبل أن تفقدها.

انظر حولك الآن

ربما وأنت تقرأ هذه الكلمات، لديك أشياء يتمناها إنسان آخر في هذه اللحظة.

ربما صحتك ليست كاملة، لكنها تسمح لك أن تمشي.

وربما بيتك ليس كبيرًا، لكنه آمن.

وربما راتبك ليس كما تتمنى، لكنه يكفيك بعض حاجتك.

وربما أسرتك ليست مثالية، لكنها حولك.

وربما والداك كبرا وضعفا، لكنك ما زلت تستطيع أن تقبل رأسيهما.

لا أقول لك: لا تحزن على ما ينقصك.

ولا: توقف عن الطموح.

ولكن لا تجعل ما ينقصك يحجب عن عينيك ما امتلأت به حياتك.

فبعض الناس أمضوا أعمارهم يبحثون عن السعادة، ثم اكتشفوا متأخرين أنها كانت تجلس معهم كل مساء على مائدة واحدة.

لا تنتظر المرض لتعرف قيمة الصحة.

ولا الفراق لتعرف قيمة الأسرة.

ولا البطالة لتعرف قيمة العمل.

ولا الخوف لتعرف معنى الأمان.

ولا الشيخوخة لتعرف قيمة الوقت.

ولا القبر لتعرف قيمة والديك.

انظر إلى نعمك وهي بين يديك، لا حين تصبح خلفك.

فأقسى أنواع الندم ليس أن نفقد الأشياء…

**بل أن نكتشف بعد فقدها أننا امتلكناها طويلًا، ولم نعش يومًا كما لو كنا نعرف قيمتها.**

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *