العراق بعد النصر  حين تحوّل المنتصر إلى معادلة تخشاها المنطقة

د عرفان يونس الشمري

لست محللا استراتيجيا و لا عسكريا قضى حياته بين الخنادق و لا سياسيا امتهن السياسة و التصريحات بين القنوات. لكني عراقي فهمت ما حصل حسب تقديري البسيط.

هناك حروب تنتهي عندما تصمت المدافع. وهناك حروب، مثل الحرب العراقية الإيرانية، تنتهي على الخرائط العسكرية لكنها بدأت بعدها على خرائط القوة.

في الثامن من آب ١٩٨٨ أعلنت إيران قبولها القرار ٥٩٨، بعد سنوات من رفضها التسوية على أساس وقف إطلاق النار قبل حسم مسألة المسؤولية عن اندلاع الحرب. وفي الأشهر الأخيرة كانت القوات العراقية قد استعادت زمام المبادرة، وشنّت هجمات أجبرت القوات الإيرانية على التراجع من مواقع داخل الأراضي العراقية. ثم دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. ومن هنا تبدأ القراءة الاستراتيجية الحقيقية. لأن السؤال ليس من ربح معركة هنا أو خسر معركة هناك؟
بل ماذا أصبح العراق بعد ثماني سنوات من الحرب؟

والجواب كان كبيراً إلى درجة أن أجهزة الاستخبارات والقوى الإقليمية والدولية نفسها بدأت، منذ عام ١٩٨٨، تنظر إلى العراق بوصفه مشكلة توازن قوى جديدة.
الانتصار لم يكن في امتلاك الأرض… بل في منع كسر الدولة فعندما بدأت الحرب عام ١٩٨٠، كانت لدى بغداد حسابات تتعلق بالحدود وشط العرب وبموازين القوة بعد الثورة الإيرانية لكن الحرب لم تجرِ كما توقعت القيادة العراقية عندما تحولت من حرب قصيرة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. وفي عام ١٩٨٢ تبدل ميزان المبادرة، واستعادت إيران معظم أراضيها التي احتلها العراق، ثم انتقلت الحرب إلى الأراضي العراقية في مراحل مختلفة. وفي ١٩٨٦ تمكنت إيران من احتلال الفاو، كانت هذه ضربة استراتيجية هددت منفذ العراق البحري ولهذا فإن معنى الانتصار العراقي في ١٩٨٨ لا ينبغي أن يُفهم على أنه تحقيق لكل الأهداف التي أُعلنت عام ١٩٨٠ بل معناه الأعمق كان “أن إيران، رغم ثقلها السكاني والجغرافي والأيديولوجي، لم تستطع إسقاط الدولة العراقية، ولا فرض تغيير سياسي في بغداد، ولا تحويل العراق إلى مجال نفوذ إيراني”. فقد حدث العكس في المرحلة الأخيرة عندما استعاد العراق زمام المبادرة العسكرية، واستعاد الفاو، وأجبر القوات الإيرانية على التراجع من مواقع داخل الأراضي العراقية، ثم قبلت طهران وقف الحرب. وهذا، في لغة الاستراتيجية، إنجاز بالغ الأهمية فالدولة قد لا تحقق كل أهداف الحرب، لكنها تستطيع أن تنتصر في الهدف الأسمى وهو منع خصمها من تحقيق أهدافه الحاسمة.
١٩٨٨ لم يكن نهاية الحرب فقط… بل نهاية مرحلة من ميزان القوى
قبل الحرب كان العراق قوة مهمة اما بعدها أصبح قوة عسكرية كبرى.
وهذا فرق هائل لان ثمان سنوات من الحرب صنعت جيشاً لا يشبه الجيش الذي دخل الحرب عام ١٩٨٠.
لقد اكتسبت المؤسسة العسكرية العراقية خبرة عملياتية واسعة في:
الحرب البرية واسعة النطاق
المدفعية الثقيلة
المدرعات والمناورة
العمليات الجوية
الصواريخ
الاستطلاع والقيادة والسيطرة
التصنيع العسكري بمافي ذلك صنع طائرات مسيره
إدارة الاحتياط والتعبئة
والانتقال من الدفاع إلى الهجوم على جبهة واسعة.
ولم تكن هذه مجرد انطباعات عراقية.

ففي مذكرة استخبارية أميركية رفعت في آب ١٩٨٨، توقعت وكالة الاستخبارات المركزية صراحة أن تؤدي نهاية الحرب إلى إعادة حسابات القوى الإقليمية، وذكرت أن إسرائيل وسوريا ستنظران إلى القوات المسلحة العراقية القوية باعتبارها تهديداً عسكرياً جدياً، وأن دول الخليج ستوازن علاقاتها بين بغداد وطهران. هذه الوثيقة مهمة جداً.
لأنها تخبرنا بما كان يفكر فيه صانع القرار الاستراتيجي آنذاك، لا بما نعرفه اليوم بعد وقوع الأحداث.
بغداد لم تعد مجرد عاصمة عربية على الخليج
بعد ١٩٨٨ تغيرت صورة العراق في الحسابات الإقليمية. فقد أصبح العراق يجمع عناصر قوة نادرة في دولة واحدة:
الموقع الجغرافي كونه بين إيران والخليج وبلاد الشام وتركيا.
الكتلة البشرية حيث كان سكانه وقاعدته الاجتماعية أكبر من معظم دول الخليج.
النفط موارد هائلة يمكن أن تمول إعادة الإعمار والتوسع الاقتصادي.
الجيش خرج من أطول حرب تقليدية في المنطقة بخبرة عملياتية ضخمة.
الصناعة العسكرية و بخبرة متراكمة في تصنيع وتطوير بعض أنواع السلاح والذخائر والصواريخ.
والأهم في ذلك فالعراق لم يكن يمتلك السلاح فقط.
كان يمتلك جيلاً من الضباط والجنود الذين عاشوا الحرب فعلياً.
وهذا ما يجعل القوة العسكرية بعد الحرب أخطر من القوة العسكرية قبلها.
فالسلاح يمكن شراؤه لكن الخبرة القتالية لا تُشترى بالمال.
ولهذا بدأت القوى الإقليمية تعيد حساباتها و المفارقة هنا أن بعض الدول التي ساعدت العراق أو ساندته خلال الحرب كانت هي نفسها قلقة من عراق ما بعد الحرب فدول الخليج كانت تريد عراقاً يمنع التمدد الإيراني لكنها في الوقت نفسه لم تكن تريد بالضرورة عراقاً يصبح القوة المهيمنة على الخليج.
وهذا هو منطق توازن القوى: أنت تريد جارك قوياً بما يكفي كي يحميك من خصمك… لكن ليس قوياً إلى درجة يستطيع معها تهديدك أنت.
وهذه المعادلة كانت شديدة الحساسية بعد ١٩٨٨.
إيران خرجت من الحرب منهكة ومكبّلة اقتصادياً وعسكرياً.
لكنها بقيت دولة كبيرة ذات عمق استراتيجي وسكاني.
والعراق خرج بجيش قوي وخبرة عسكرية واسعة، لكنه خرج أيضاً بدين هائل واقتصاد مثقل.
أما دول الخليج، فوجدت نفسها أمام سؤال جديد:
كيف نوازن بين عراق قوي نحتاج إليه في مواجهة إيران، وعراق قوي قد يصبح هو نفسه مركز ثقل لا يمكن التحكم به؟ وهنا بدأت المشكلة العراقية الحقيقية.
إسرائيل أيضاً كانت ترى عراقاً مختلفاً ففي الحساب الإسرائيلي، لم يكن العراق مجرد طرف بعيد بل كان دولة عربية كبيرة، تمتلك جيشاً ضخماً، وقاعدة صناعية وعلمية، وقدرات صاروخية، وطموحات عسكرية متقدمة ومذكرة الاستخبارات الأميركية في آب ١٩٨٨ كانت صريحة في القول إن إسرائيل وسوريا ستنظران إلى القوات المسلحة العراقية القوية باعتبارها تهديداً عسكرياً جدياً. وهذا يعني أن انتصار العراق لم يكن شأناً عراقياً ـ إيرانياً فقط بل كان يعيد تعريف من يستطيع أن يهدد من في الشرق الأوسط.
فإذا خرج العراق من الحرب وأعاد بناء اقتصاده، ثم استثمر موارده النفطية في الصناعة والتكنولوجيا والدفاع فإنه كان يمكن أن ينتقل من قوة عسكرية خرجت من الحرب إلى قوة إقليمية متكاملة، وهنا تكمن الخطورة بالنسبة إلى خصومه.
الولايات المتحدة لم تكن تريد انتصاراً إيرانياً… لكنها لم تكن تريد هيمنة عراقية أيضاً
وهذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى قراءة غير عاطفية فواشنطن خلال الحرب كانت قلقة من انتصار إيران، ومن سيطرة قوة معادية للولايات المتحدة على الخليج.
وفي ١٩٨٧ – ١٩٨٨ أصبحت الولايات المتحدة منخرطة بصورة مباشرة أكثر في أمن الخليج، بينما كانت تعمل مع الاتحاد السوفيتي وبقية الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن على تنفيذ القرار ٥٩٨. وفي وثائق وزارة الخارجية الأميركية يظهر بوضوح أن الهدف الأميركي المعلن كان إنهاء الحرب ومنع هيمنة قوة معادية على منطقة الخليج، مع التأكيد على أهمية تدفق النفط. لكن انتهاء الحرب خلق مشكلة جديدة.
إذا لم تنتصر إيران، فماذا نفعل بالعراق؟
هنا انتقلت واشنطن من إدارة حرب قائمة إلى إدارة نظام إقليمي جديد كان العراق في قلب هذا النظام.
الاتحاد السوفيتي لم يكن غائباً عن الحساب فقد كان العراق أحد أهم زبائن السلاح السوفيتي، وفي الوقت نفسه كانت موسكو لا تريد انهيار التوازن الإقليمي لصالح الولايات المتحدة. لكن الاتحاد السوفيتي نفسه كان يواجه في أواخر الثمانينيات أزمة بنيوية كبرى. ولهذا فإن الشرق الأوسط كان يدخل مرحلة انتقالية: الحرب الباردة تقترب من نهايتها والاتحاد السوفيتي يتراجع أمام تقدم الولايات المتحدة الامريكيه والخليج يزداد أهمية.
وفي هذه البيئة، أصبح العراق يمتلك قوة عسكرية كبيرة في لحظة تاريخية كانت فيها بنية النظام الدولي نفسها تتغير.
وهذه ربما كانت أخطر مصادفة استراتيجية في القصة كلها:
قوة عراقية صاعدة… في نظام دولي يعاد تشكيله.
لكن ماذا حدث داخل المواطن العراقي؟ هنا نصل إلى الجزء الذي لا تستطيع الخرائط العسكرية شرحه. فالحرب لم تصنع الجيش فقط. لقد صنعت نفسية شعب. فالمواطن العراقي الذي عاش الحرب ثماني سنوات لم يعد يرى نفسه كما كان عام ١٩٨٠.
لقد نشأ جيل كامل على مفردات: الجبهة، أبو خليل، الشهادة ، الاحتياط، التعبئة، الإنذار، الغاره، الطائره ،المدفع، الصاروخ و المدن المهددة والحدود التي يجب الدفاع عنها.
وبمرور الوقت نشأ شعور عميق بأن العراق محاصر ومطالب بالبقاء. وهذا الشعور أنتج شيئاً مهماً:
ارتفاعاً شديداً في الإحساس بالقدرة على الصمود.
وتشير الأدبيات التي تناولت العراق خلال الحرب إلى أن قدرة المجتمع العراقي على تحمل سنوات الحرب والخسائر الكبيرة دون انهيار داخلي واسع كانت ظاهرة سياسية واجتماعية لافتة. وبعد انتهاء الحرب، وصفت وزارة الخارجية الأميركية العراق بأنه خرج بدولته INTACT ، ومعه إحساس قومي متعزز بالفخر، رغم الديون الهائلة التي أثقلته. وهذه الجملة تلخص الحالة النفسية لذلك الزمن: العراقي خرج من الحرب فقيراً ومتعباً… لكنه خرج مقتنعاً بأنه قادر على مواجهة المستحيل.
من «الخوف من الحرب» إلى «الثقة بالقدرة على الحرب»
هذه نقطة نفسية شديدة الأهمية. ففي عام ١٩٨٠ كان السؤال:
هل يستطيع العراق الصمود؟
أما في عام ١٩٨٨ أصبح السؤال:
من يستطيع مواجهة العراق؟
فهذا التحول النفسي لا يحدث بسهولة. لان ثمان سنوات من الحرب حولت الجبهة إلى جزء من الوعي الوطني. وأصبح الجيش بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع رمزاً للقدرة على حماية الدولة.
وأصبح انتصار ١٩٨٨، في الوعي العام، إثباتاً بأن العراق يستطيع أن يصمد أمام إيران، وهي دولة أكبر سكاناً وعمقاً جغرافياً. وهنا تشكلت نفسية مزدوجة: فخر شديد بالقوة… وإرهاق شديد من الحرب.
وهذا التناقض مهم جداً. لان العراقي كان يريد السلام. لكنه في الوقت نفسه لم يعد يخاف الحرب كما كان يخافها قبل ثماني سنوات. كان يريد أن يعيش لكنه كان يعتقد أيضاً أن بلده يستطيع أن يقاتل. وهذا المزيج النفسي سيصبح أحد المفاتيح لفهم السنوات التالية.
النصر خلق فرصة تاريخية… لكنه خلق أيضاً خطراً تاريخياً
كان أمام العراق بعد ١٩٨٨ خياران الأول: أن يحول القوة العسكرية إلى قوة دولة. يعيد بناء الاقتصاد يستثمر النفط يطور التعليم يستعيد الصناعة يعيد توظيف خبرة الجيش في الصناعات المدنية يفتح علاقات واسعة مع الخليج وأوروبا والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة ويتحول إلى مركز اقتصادي وصناعي في المنطقة.
أما الخيار الثاني:
أن تتحول القوة العسكرية إلى هوية استراتيجية. ويصبح الجيش هو معيار القوة وأن يُنظر إلى الانتصار باعتباره دليلاً على أن القوة الخشنة هي الطريق الأسرع إلى حل المشكلات.
وهنا يكمن الخطر لأن الدولة التي تنجح عسكرياً قد تقع في أحد أخطر الأخطاء و هي أن تخلط بين امتلاك القوة وبين حسن استخدامها.
الثمن الذي أخفى قوة العراق
لا ينبغي أن تخدعنا صورة الجيش العراقي في ١٩٨٨.
فوراء القوة العسكرية كان هناك اقتصاد منهك. كانت الحرب قد كلفت العراق هائلاً، واعتمد تمويلها بدرجة كبيرة على الاقتراض.
وتذكر وزارة الخارجية الأميركية أن ديون العراق لدائني الخليج بلغت نحو 37 مليار دولار عام 1990. إذن كانت المعادلة غريبة عراق قوي عسكرياً… ضعيف مالياً وهذا أخطر أنواع القوة لأن الدولة قد تمتلك القدرة على شن الحرب، لكنها لا تمتلك القدرة على تحمل نتائجها. وقد تمتلك جيشاً يستطيع خوض معركة كبرى، لكنها لا تمتلك اقتصاداً يستطيع تمويل عشر سنوات من سباق القوة. ولهذا فإن النصر العسكري لم يكن نهاية المشكلة بل كان بداية السؤال الأصعب:
كيف يتحول الانتصار إلى ثروة؟
العراق كان أمام فرصة أن يصبح «ألمانيا الشرق الأوسط»… لكنه كان محاصراً بمفارقة القوة
كان العراق يمتلك بعد ١٩٨٨ شيئاً نادراً:
رأس مال بشري هائل أطباء مهندسون ضباط علماء تقنيون عمال مهرة جامعات موارد نفطية موقع جغرافي وخبرة عسكرية.
ولو أُعيد توجيه جزء كبير من الموارد والخبرات نحو التنمية، لكان العراق قادراً على بناء قاعدة صناعية وتقنية ضخمة.
لكن المشكلة أن الحرب تركت الدولة في حالة أمنية وعسكرية مستمرة والإقليم نفسه لم يكن مستقراً وإيران لم تختفِ وإسرائيل كانت تراقب وسوريا كانت خصماً للعراق ودول الخليج كانت تخشى طهران وتراقب بغداد في الوقت نفسه والولايات المتحدة كانت تريد منع أي قوة من السيطرة على الخليج.
وهكذا وجد العراق نفسه في مركز دائرة من القوى المتنافسة.
وهنا ظهرت معضلة العراق الكبرى
كل قوة إقليمية كانت تريد شيئاً من العراق فإيران تريد عراقاً لا يشكل تهديداً لها و الخليج يريد عراقاً يوازن إيران، لكنه لا يهيمن على الخليج سوريا تريد منع صعود منافسها البعثي العراقي امًا إسرائيل فكانت تريد منع ظهور قوة عسكرية عربية كبرى تمتلك قدرات استراتيجية متطورة والولايات المتحدة تريد الخليج مفتوحاً أمامها، ولا تريد ظهور قوة إقليمية تستطيع تحدي النظام الأمني الذي تقوده. أما العراق فقد كان يريد أن يكون العراق دولة مستقلة قوية ذات قرار سيادي.
وهنا اصطدمت الرغبة العراقية في الاستقلال بحقيقة النظام الإقليمي فالشرق الأوسط لا يسمح بسهولة بقيام قوة إقليمية ضخمة خارج ترتيبات القوى الكبرى.
أخطر ما فعله النصر أنه رفع سقف توقعات العراقيين
النصر لا يغيّر الدولة فقط بل يغيّر توقعات شعبها فبعد سنوات من التقشف والتعبئة والموت، كان العراقي يتوقع شيئاً من ثمار الانتصار راتباً أفضل بيتاً أفضل طرقاً أفضل مدارس أفضل مستشفيات أفضل حياة طبيعية فقد كان منطق المواطن بسيطاً:
قاتلنا ثماني سنوات… الآن حان وقت البناء.
لكن العراق لم يدخل مرحلة البناء بالسرعة التي كان يحتاجها.
بقي الجيش ضخماً والاقتصاد مثقلاً وبقيت الديون و مشكلات الحدود. وبقي التنافس الإقليمي وبقي العراق يرى نفسه قوة كبيرة لا تعامل دائماً على هذا الأساس ومن هنا بدأ التوتر بين صورة العراق عن نفسه وصورة الآخرين له.
وهذه هي النقطة التي يجب أن يفهمها كل استراتيجي
ففي العلاقات الدولية لا تكفي القوة بل يجب أن تعرف كيف يقرأ الآخرون قوتك. و العراق بعد ١٩٨٨ كان يرى نفسه:
دولة انتصرت وصمدت وحمت الخليج من إيران.
لكن بعض جيرانه بدأوا يرونه:
دولة عسكرية ضخمة خرجت من حرب كبرى، ويمكن أن تصبح مهيمنة إذا تعافت اقتصادياً.
والولايات المتحدة كانت ترى قوة إقليمية ينبغي ألا تسمح لها بالسيطرة على الخليج.
وإسرائيل كانت ترى جيشاً عربياً قوياً ذا إمكانات استراتيجية. أماإيران فكانت ترى:
خصماً لم تتمكن الحرب من إسقاطه.
وهكذا أصبح العراق في الوقت نفسه حامياً بالنسبة إلى البعض… وتهديداً بالنسبة إلى البعض الآخر. وهذه أخطر وضعية يمكن أن تقع فيها دولة إقليمية.
العراق بعد ١٩٨٨ أصبح «الجائزة» و«الخطر» في آن واحد
وهنا نصل إلى لب الموضوع، لم تكن المشكلة أن القوى الإقليمية كانت تريد العراق بالضرورة احتلالاً بل كانت تريد التأثير في اتجاهه. فمن يسيطر على قرار العراق لا يحتاج بالضرورة إلى احتلال بغداد بل يكفي أن يضمن ألا يتحول العراق إلى قوة مستقلة بالكامل لذلك تصبح أدوات الصراع ، الاقتصاد، السلاح، التحالفات، الدبلوماسية، النفوذ السياسي، الحدود، النفط، المعلومات والعلاقات الدولية.
وهذا ما يجعل مرحلة ما بعد الحرب أكثر تعقيداً من الحرب نفسها.
وما بين آب ١٩٨٨ و آب ١٩٩٠… كانت الساعة تدق فبعد النصر، كان العراق يقف على مفترق تاريخي أمامَه فرصة هائلة تحويل الجيش من أداة حرب إلى مظلة أمن تسمح بالنهضة وتحويل النفط إلى صناعة والخبرة العسكرية إلى تكنولوجيا والقوة البشرية إلى تعليم والانتصار إلى مشروع دولة.
لكن في المقابل كانت هناك ديون ضخمة، وتنافس إقليمي، واقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء، وبيئة دولية تتغير بسرعة.
ففي آب ١٩٨٨، كانت الاستخبارات الأميركية تتوقع أن تسعى دول الخليج إلى موازنة علاقاتها بين العراق وإيران، وأن تحاول إسرائيل وسوريا التعامل مع التهديد الذي تمثله القوات العراقية القوية. أي أن العالم لم ينظر إلى الثامن من آب باعتباره مجرد نهاية حرب. فقد كان ينظر إلى اليوم التالي.
وهذا هو الفارق بين المؤرخ والاستراتيجي.
المؤرخ يسأل ماذا حدث؟
أما الاستراتيجي فيسأل ماذا أصبح ممكناً بعد أن حدث؟
النصر العراقي غيّر السؤال الإقليمي
فقبل ١٩٨٨ كان السؤال:
هل تستطيع إيران إسقاط العراق؟
اما بعد ١٩٨٨ أصبح:
هل يستطيع العراق أن يعيد بناء نفسه ليصبح القوة المهيمنة في الخليج العربي؟
وهنا بدأت حسابات جديدة ليس لأن العراق قرر بالضرورة أن يهيمن على المنطقة بل لأن إمكان القوة نفسه كان قد أصبح موجوداً وفي السياسة الدولية، الإمكان أحياناً أخطر من الفعل.
فالدولة التي تستطيع أن تصبح قوية جداً، تُراقَب قبل أن تصبح قوية جداً. والدولة التي تستطيع أن تعيد بناء اقتصادها بسرعة، يبدأ الآخرون في حساب ما ستفعله بعد عشر سنوات.
والعراق كان يملك هذه الإمكانية.
فالثامن من آب لم يكن نهاية الحرب… كان لحظة ولادة العراق كقوة يخشاها الجميع
ففي ١٩٨٠ دخل العراق الحرب وهو يعتقد أنه يستطيع حسمها بسرعة. و في منتصف الثمانينيات كان يقاتل من أجل البقاء.
وفي ١٩٨٨ خرج وهو يمتلك جيشاً ذا خبرة هائلة، ودولة لم تسقط، وإحساساً وطنياً متعززاً بالقوة والصمود، لكنه كان يحمل في الوقت نفسه ديناً هائلاً واقتصاداً منهكاً. وهذه هي المفارقة التي صنعت السنوات التالية.
العراق كان أقوى عسكرياً مما كان عليه عام ١٩٨٠، لكنه أضعف اقتصادياً. وكان أكثر ثقة بنفسه، لكنه أكثر حساسية تجاه مكانته وكان أكثر خبرة في الحرب، لكنه كان بحاجة إلى السلام أكثر من أي وقت مضى وكان مطلوباً من الجميع كقوة توازن في مواجهة إيران، وفي الوقت نفسه كان الجميع تقريباً يخشى أن يتحول هذا التوازن إلى هيمنة عراقية.
وهكذا صار العراق بعد ١٩٨٨ أمام معادلة شديدة القسوة:
كلما بدا أقوى، ازداد اهتمام الآخرين بكيفية ضبط قوته. وهنا يجب أن نفهم معنى النصر. النصر العسكري ليس أن تجعل الآخرين يخافون منك فقط، النصر الحقيقي هو أن تستخدم خوفهم منك كي تحصل على مساحة للسلام والبناء.
و أن تجعل جيشك يحمي اقتصادك، لا أن يجعل اقتصادك رهينة لجيشك. و أن تجعل موقعك الجغرافي ورقة قوة، لا سبباً لتحولك إلى ساحة صراع. و أن تجعل النفط وسيلة لبناء المستقبل، لا وقوداً لصراع آخر وأن تعرف أن القوة التي لا تُدار بالحكمة تتحول، مع الوقت، من درع للدولة إلى ذريعة لمحاصرتها.
ولهذا فإن أعظم ما حدث للعراق في ١٩٨٨ لم يكن فقط أنه استطاع أن ينهي حرباً طويلة بشروط أفضل من تلك التي كانت تبدو ممكنة في سنوات سابقة، الأعظم أن العراق، في تلك اللحظة، امتلك فرصة تاريخية نادرة: كان يستطيع أن ينتقل من دولة حرب إلى دولة قوة، من جيش منتصر إلى اقتصاد منتج، من تعبئة عسكرية إلى نهضة وطنية ومن موقع الجبهة الأمامية في الحرب الباردة إلى موقع الدولة المستقلة التي توازن بين القوى.
لكن هذه الفرصة كانت محاطة بأعداء ومنافسين وحلفاء قلقين، وباقتصاد مثقل بالديون، وبقيادة سياسية كانت تنظر إلى القوة بوصفها جزءاً مركزياً من هوية الدولة وهكذا وقف العراق في صيف ١٩٩٠ على حافة لحظة تاريخية: جيش قوي، شعب خرج من حرب طويلة وهو يشعر بالفخر والقدرة على الصمود، ثروة نفطية هائلة، موقع استراتيجي لا مثيل له وإقليم كامل يعيد حساباته حول بغداد.
كان العراق يومها أكبر من أن يُترك بلا حساب وأقوى من أن يُنظر إليه كدولة عادية وأثقل من أن تستطيع المنطقة تجاهله.
لكن السؤال الذي كان يواجهه لم يكن:
هل يستطيع العراق أن ينتصر في الحرب؟
لقد أجاب عن ذلك بالفعل.
السؤال الأصعب كان:
هل يستطيع العراق أن ينتصر في السلام؟
وهذا السؤال…
كان لا يزال مفتوحاً في صيف ١٩٩٠.
وقبل أن تبدأ أزمة الكويت، كان العراق يقف على واحدة من أخطر وأهم عتبات تاريخه الحديث: بين فرصة أن يتحول إلى قوة إقليمية مستقرة، وخطر أن تتحول قوته العسكرية الهائلة إلى مصدر قلق يجمع حوله الخصوم والمنافسين.
ومن هنا تبدأ قصة أخرى.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *