الكاتبة سلوى بنت خلفان المقبالي
إن السعي الداخلي المستمر للإنسان لإيجاد غاية وقيمة حقيقية لحياته يتجاوز مجرد البقاء والروتين اليومي؛ إنه مسار يمر عبر تأمل الذات، ومواجهة التحديات، وتطوير فهم أعمق للوجود والصلة بالخالق.
اليوم، لم يعد الشباب يبحثون عن مجرد مكتب وراتب شهري؛ إذ إن رغبتهم في الاستقلالية والتحكم بالوقت والتحرر من القيود الروتينية وسلطة الإدارة التقليدية قوبلت بفض قاطع من جيل يقدر الحرية المكانية والزمانية، ويسعى للهروب من الوظائف العبثية. يميل الكثيرون لشعورٍ بأن أعمالهم المكتبية الروتينية ليست سوى تروس صغيرة في ماكينة بلا غاية، ما يولد لديهم شعوراً بالإغتراب الوظيفي يدفعهم نحو الاستقالة، وخلق عمل خاص يعبر عن هويتهم وبناء ثروة حقيقية لا تقتصر على الأجور.
يدرك الشباب اليوم أن الوظائف التقليدية غالباً لا تمنح الموظف الأرباح الكبرى، بل تكتفي براتب محدد مهما زاد إنجازه ومؤهلاته. في المقابل، يربط المشروع الخاص بين الجهد والعائد بشكل مباشر. لذا، فإن تفضيل الجيل الحالي للمشاريع الخاصة ليس مجرد “موضة عابرة”، بل هو تحول ثقافي عميق يعيد صياغة الاقتصاد العالمي؛ فلم يعد العمل مجرد وسيلة لدفع الفواتير، بل أصبح امتداداً للهوية الشخصية وأداة للتعبير عن القيم.
حتى الشركات نفسها بدأت تدرك هذا التحول، فاضطرت لتغيير بيئاتها لتصبح أكثر مرونة واستجابة لروح الريادة الداخلية جذبًا للكفاءات التي ترفض النمطية. وإذا كان الآباء والأجداد ينظرون إلى الوظيفة من منظور الاستقرار المادي والاجتماعي كهدف نهائي، فإن هذا الجيل ينظر إليها كأداة لتحقيق الذات والوجود. لقد تحول العمل من مجرد وظيفة نؤديها لضمان البقاء إلى مرآة تنعكس عليها الهوية والقيم الأخلاقية، ولهذا السبب يرى هذا الجيل أن قضاء ثلث عمر الإنسان في مكتب مغلق يمارس مهام روتينية إنما يُهلك روحه.
من هنا تبدأ رحلة البحث عن المعنى؛ رحلة لا تبحث عن راتب أعلى، بل عن قضية يكرس الشاب حياته لأجلها عبر مشروعه الخاص، حتى وإن كانت التكاليف والمخاطر أعلى بكثير. فالجيل الحالي هو الأكثر وعياً واهتماماً بالصحة النفسية، ورفضاً للضغوط السامة في بيئات العمل والاحتراق النفسي وانعدام التوازن بين الحياة الشخصية والمهنية.
إن ميل هذا الجيل إلى تحويل شغفهم (سواء في التقنية، أو التصميم، أو التجارة الإلكترونية، أو الخدمات المتخصصة) إلى مصدر رزق يجعل العمل متعة لا عبئاً يومياً، ويترك أثراً مجتمعيًا من خلال تقديم حلول حقيقية لمشاكل السوق، وترك بصمة واضحة، وخلق فرص عمل للآخرين. كما أن إدارة مشروع خاص تضع الفرد أمام تجارب شاملة (الإدارة، التسويق، المالية، خدمة العملاء، وإدارة الأزمات)، وهو ما يصقل الشخصية المهنية بسرعة تفوق سنوات طويلة من التمدرس الوظيفي الروتيني.
ختاماً، يعكس هذا التحول رغبة صادقة لدى الشباب في المرونة والتحرر من الأنماط التقليدية نحو فضاءات أوسع تليق بطموحات العصر















