غيمة تأخرت في الهطول

ليلى عمر

كانت القرية الصغيرة على حافة الوادي تعيش على إيقاع المطر. بالنسبة لأهلها، لم يكن المطر مجرد ماء يروي الأرض، بل كان هو الزمن نفسه؛ به يقيسون أعمار أطفالهم، وعلى إيقاعه ينسجون أحاديث المساء تحت السقوف الطينية العتيقة.

لكن ذلك العام، امتدت أيّام الشتاء . وتجمعت الغيوم عاليًة في السماء، مكتفيةً بالمرور العابر كأطياف باهتة لا تترك خلفها سوى الرطوبة والرجاء الخائب. مرت الشهور ثقيلة، وشاخت الأيام على رصيف الانتظار.
في بيت صغير بطرف الوادي، كانت “سارة” تقف كل صباح عند عتبة الباب، ترفع طرف شالها لتستنشق الهواء، وتحدّق طويلاً في تلك البقعة النائية من السماء حيث اعتادت الغيوم أن تتجمع. في صدرها كان يسكن حلم قديم، أمنية أودعتها في دعاء خفي منذ سنوات، وظلت ترتجي لها سحابة تمطرها حياة. لكن الحلم، كالمطر، طال غيابه.
جاءها صوت أخيها الأكبر وهو يربت على كتفها بابتسامة حانية تحمل شيئاً من مرارة الواقع:
– يا سارة، الأرض جفت، والآبار نضبت، والغيوم التي نراها كل صباح لا تبشر بقطرة.. لماذا لا تحولين وجهكِ نحو أفقٍ آخر؟ الأماني التي لا تأتي في إبانها، تكف عن أن تكون أماني، وتصبح عبئاً يثقل الكاهل.
التفتت سارة إليه، وبعينيها طمأنينة تشبه سكون الصحراء قبل العاصفة، قالت بصوت هادئ:
– يا أخي، ليست كل الغيوم التي تتأخر في الهطول غيومًا عقيمة. الأرض التي نراها قاحلة اليوم، لو أمطرتها السماء في أول الخريف لَما استكانت جذور البذور، ولَما عمّقت امتدادها في باطن الجبل. بعض الأماني تتأخر لأنها تولد كبيرة، وحين تأتي.. لا تكتفي ببلل السطوح، بل تغسل عتمة الروح من أساسها.
مرت الأيام، وتحول الانتظار من لهفة مؤلمة إلى حالة تشبه العبادة؛ صمتٌ طويل، وعملٌ دؤوب في تنقية زوايا النفس، وترتيب خبايا الذاكرة. تعلمت سارة كيف تقرأ كتاب الحياة من ورائه، وكيف تدرك أن الزمن ليس عدواً للأحلام، بل هو المصفاة التي تنقيها من شوائب الاستعجال.
وفي ليلة ربيعية لم تكن تشبه ما قبلها، سكن الهواء تماماً. غاب ضوء القمر خلف سحاب كثيف، داكن، لم يظهر كمثله من قبل. لم تكن سارة نائمة؛ كانت كعادتها جالسة قرب نافذتها العتيقة، ترتشف فنجان قهوتها الهادئ وتكتب على ورقها الأبيض بقايا ومضات من فكرها.
وفجأة.. دويّ الرعد في الأفق البعيد، رعدٌ عميق يهز الجبال ولا يخيف القلوب.
وتلتها.. أول قطرة.
لم تكن قطرة عادية؛ بل كانت حبة مطر ثقيلة، دافئة، سقطت على عتبة الباب بصوت يحمل تاريخاً كاملاً من الاشتياق.
لم تكن سارة لتفرح كفرح الأطفال الذين يستبشرون باللعب، بل بكت بصمت، دموع من يعرف أن الله لا ينسى الودائع. تتابع المطر، بغزارة لم تشهدها القرية منذ عقود. هطلت الغيمة التي تأخرت طويلاً، كأنها كانت تجمع ماء السماء كله في جوفها لتعوض به سنوات الجدب.
في تلك الليلة، لم يرتوِ الوادي وحده؛ بل روت القطرات تراب الأماني المؤجلة في صدر سارة. أدركت حينها أن كل دقيقة عابرة قضيناها في اليأس، لم تكن ضائعة، بل كانت جزءاً من “النضج الخفي” الذي نحتاجه لنستوعب عطايا القدر حين تكبر.
فما أخر الله جميلاً إلا ليأتي.. بأجمل مما كنا نتخيل.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24