وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي
تضع حادثة المعدّنين السودانيين على الحدود السودانية المصرية العلاقات بين البلدين أمام اختبار صعب، يرتبط بمسؤولية حماية المواطنين، وضبط الحدود، وفاعلية التنسيق الأمني. فالمصالح الاستراتيجية والمصير المشترك يفرضان معالجة عاجلة لا تحتمل الصمت أو الانفعال السياسي.
فالحدود بين الدول، مساحة تتقاطع فيها السيادة والأمن والمصالح المشتركة، وتُختبر عندها قدرة الدولة على حماية مواطنيها وإدارة علاقاتها مع جيرانها. ومن ثم، فإن سقوط سودانيين في منطقة حدودية ملتبسة الظروف يستدعي صون أرواح المواطنين وحماية السيادة الوطنية، بما يضمن الحقوق دون الإضرار بعلاقات البلدين.
وفي مواجهة هذا الواقع ، تبرز مسؤولية الدولة في كشف الحقيقة وصون حقوق مواطنيها، لذلك جاء أعلان مجلس السيادة، فور وقوع الحادث تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم النيابة العامة وجهات عدلية وأمنية، للتحقيق وتحديد الملابسات. وتمثل الخطوة بداية ضرورية، غير أن قيمتها الحقيقية تتوقف على الوصول إلى الوقائع كاملة، وإعلان النتائج للرأي العام، وتحديد المسؤوليات، على ما يثبته التحقيق من تجاوزات.
ولا تكتمل قيمة التحقيق بتوثيق الحادث، بل بكشف منطق استخدام القوة وحدود المسؤولية، أين وقع الحادث، وما طبيعة نشاط المعدّنين، وهل وُجد تهديد يبرر الفعل، وهل تناسبت القوة المفرطة المستخدمة مع الموقف وهل روعيت حياة المدنيين؟ والأهم، هل سبق الحادث تنسيق أمني وتبادل للمعلومات بين البلدين، أم جاء التواصل لاحقاً لاحتواء تداعياته؟ فالإجابة عن هذه الجوانب تحدد المسؤولية القانونية بجانب الكشف عن مدى فاعلية إدارة الحدود، وقدرة التنسيق المشترك على منع تحول الحوادث الفردية إلى أزمات تمس الثقة والعلاقة الأمنية السياسية والمجتمعية بين البلدين.
ولا ينبغي أن تُحسم القضية بالانفعال ، أو التبرير المسبق، بل بما يكشفه التحقيق من حقائق، فالتواصل بعد الحادث لا يعني بالضرورة وجود تنسيق قبله، ومكافحة التنقيب غير المشروع لا تبرر تعريض الأرواح للخطر. فالقانون يحمي الحدود، لكنه يحمي الإنسان أيضاً، وإذا ثبت استخدام القوة بما لا يتناسب مع الموقف، فإن المحاسبة تصبح واجباً لا يحتمل المساومة، حتى لا تتحول حماية الأمن إلى سبب لفقدان الأرواح.
لكن حصر القضية في الطرف الآخر وحده قد يحجب جانباً من مسؤولية الدولة السودانية. فالتعدين ، حين يعمل خارج التنظيم والرقابة، يتحول إلى اقتصاد محفوف بالمخاطر، تتداخل فيه الحاجة إلى الذهب مع التهريب والابتزاز واحتمالات العنف. والحرب التي دخلت عامها الرابع تقريباً دفعت قطاعات واسعة من السودانيين إلى البحث عن مصادر رزق قاسية، في ظل تراجع فرص العمل واتساع الضغوط المعيشية.
غير أن الفقر لا ينبغي أن يصبح مبرراً لترك المواطنين يواجهون مصيرهم في مناطق نائية، كما أن مكافحة التعدين الأهلي لا تعفي الدولة من واجبها في تنظيم النشاط، وتحديد مناطقه، وتوفير المعلومات والتحذيرات، وملاحقة شبكات التهريب، وحماية العاملين من المخاطر المحتملة.
ومن هنا، لا بد أن يقود التحقيق إلى معالجة تتجاوز تحديد المسؤولية عن الحادث إلى مراجعة إدارة التعدين في المناطق الحدودية. فالدولة التي لا تملك بيانات دقيقة عن العاملين ومواقع نشاطهم، ولا تفرض رقابة فعالة على حركة المعدنين ، تجد نفسها أمام أزمات متكررة يصعب احتواؤها.
وفي المقابل، تظل العلاقة السودانية المصرية أكبر من حادثة، وأعمق من أن تُدار بردود الفعل. فالجغرافيا والتاريخ ومصالح الأمن والمياه والتجارة وحركة المواطنين تجعل استقرار البلدين مصلحة متبادلة. غير أن الحفاظ على هذه العلاقة لا يعني تجاوز الحقوق أو تعطيل المطالبة بالحقيقة، مثلما أن المطالبة بالتحقيق والمحاسبة لا تعني العداء لمصر أو استهداف شعبها.
إن العلاقة الراسخة بين الخرطوم والقاهرة هي التي تسمح بمعالجة الخلافات بشفافية بعيدا عن الانفعال، وتُخضع الوقائع للقانون، وتمنع الحوادث الفردية أو العمليات الأمنية من التحول إلى أزمات بين الدولتين.
وتزداد أهمية هذا التوازن مع ورود أخبار عن حادث إطلاق نار منفصل في الخرطوم أودى بحياة سائقين مصريين، قيل إن المشتبه به ربط فعلته برغبته في الانتقام لمقتل شقيقه في حادثة المعدّنين. ولا يجوز دمج الواقعتين أو تبرير إحداهما بالأخرى، لكن تزامنهما يكشف خطورة انتقال الغضب من المطالبة بالعدالة إلى الانتقام الفردي، بما يهدد أرواح الأبرياء ويفتح الباب أمام تصعيد متبادل. وهنا تقع على الحكومات والإعلام في البلدين، مسؤولية مضاعفة في ضبط المعلومات، ورفض خطاب الكراهية، وعدم تحويل المأساة إلى وقود للتعبئة السياسية او افساد العلاقات.
إن حدود الدم والسيادة بحسب #وجه_الحقيقة، لا تُصان بالصمت أو التصعيد، بل بالحقيقة والمحاسبة والتنسيق المسؤول. وعلى السودان أن ينتزع حق الضحايا بالقانون، لا بالانفعال، وأن يجعل البلدان حماية الإنسان أساساً لأمن الحدود. فالعلاقات الاستراتيجية لا تُضعفها المساءلة، بل يحميها العدل، وتُصان السيادة حين تكون حياة السودانيين خطاً أحمر.
دمتم بخير وعافية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026م. Shglawi55@gmail.com















