الحب الأعمى… حين نفقد أنفسنا ونحن نحب الآخرين

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

ليس كل حبٍّ جميلًا لمجرد أنه عميق، وليس كل تضحيةٍ فضيلة لمجرد أنها قُدِّمت باسم الحب.

فقد يحب الإنسان حتى ينسى نفسه، ويعطي حتى يستنزف روحه، ويسامح حتى تضيع حدوده، ويتمسك بمن يريد الرحيل حتى يصبح بقاؤه في العلاقة أشد إيلامًا من انتهائها.

وهنا لا يعود الحب وحده هو الذي يقود الإنسان، بل شيء آخر أكثر خطورة:

*التعلُّق الأعمى.*

*حين نعطي الآخر كل شيء*

من أجمل ما في الزواج أن يكرم الرجل زوجته، وأن تحفظ المرأة زوجها، وأن يتسابق الاثنان في إسعاد بعضهما. ولكن الحب لا يعني أن يلغي أحدهما نفسه من أجل الآخر.

فمن الخطأ أن يجعل الزوج سعادته وماله ووقته وقراراته كلها مرهونة برضا زوجته، كما أنه من الخطأ أن تجعل الزوجة حياتها وشخصيتها وكرامتها كلها معلقة بزوجها.

العطاء جميل، لكن العطاء الذي يمحو صاحبه ليس دائمًا حبًا صحيًا.

والتضحية نبيلة، لكن العلاقة التي يضحي فيها طرف دائمًا، ويأخذ الطرف الآخر دائمًا، تحتاج إلى مراجعة.

*فلا تعطِ أي إنسان مفاتيح سعادتك كلها، مهما أحببته.*

*الزواج ليس حبًّا فقط*

وربما تبدأ المشكلة قبل الزواج نفسه.

فكثير من الشباب والفتيات يستعدون ليوم الزواج أكثر مما يستعدون لحياة الزواج.

يعرفون القاعة، والملابس، والأثاث، والسفر، لكنهم قد يدخلون البيت الجديد وهم لا يعرفون كيف يُدار الخلاف، ولا حقوق الزوج والزوجة، ولا واجبات كل طرف، ولا متى يتكلمون ومتى يصمتون، ولا كيف يحفظون أسرار البيت، ولا كيف يتعاملون مع المال أو تدخل الأهل.

بينما القرآن حين وصف الزواج لم يجعله عاطفة عابرة، وإنما قال:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

تأمل: سكن، ومودة، ورحمة.

فالحب قد يشتد يومًا ويهدأ يومًا، لكن الرحمة والمسؤولية والوفاء هي التي تحمل البيت عندما تهدأ حرارة العاطفة.

*اعرف واجبك قبل أن تطالب بحقك*

ومن المهم أن يعرف الزوجان حقوقهما الشرعية، لكن الخطأ أن يتحول الزواج إلى دفتر حسابات:

هذا حقي عليك… وهذا واجبك نحوي.

الأجمل أن يسأل كل طرف نفسه قبل ذلك:

ماذا عليَّ أنا؟

كيف أُحسن إلى شريك حياتي؟ كيف أحفظ كرامته؟ كيف أجعل بيتي مكانًا يأمن فيه لا مكانًا يخشاه؟

وقد وضع النبي ﷺ ميزانًا عظيمًا فقال:

«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».

بل علّمنا ﷺ ألا نمحو محاسن الإنسان كلها بسبب عيب واحد، فقال: «لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر». رواه مسلم.

فالحياة الزوجية ليست بحثًا عن إنسان كامل؛ لأننا نحن أيضًا لسنا كاملين.

*الإيمان… الجدار الذي يسند البيت*

والبيت الذي يغيب عنه الإيمان يصبح أكثر عرضة لأن تحكمه الأهواء.

ليس معنى ذلك أن البيت المؤمن لا يعرف الخلاف؛ فالخلاف طبيعة بشرية. لكن الإيمان يضع فوق الزوج والزوجة مرجعية أعلى من الغضب والهوى.

حين يغضب يتذكر الله.

وحين يقدر على الظلم يخاف الله.

وحين يخطئ يعرف الاعتذار.

وحين يسمع كلامًا يفسد بيته يتثبت.

وحين تمر العلاقة بأزمة لا يجعل أول أبوابه الهروب، بل الإصلاح.

فالإيمان لا يمنع العاصفة دائمًا، ولكنه يمنح البيت جذورًا أقوى من الريح.

*الحب لا يعني أن ترفض الحقيقة*

وقد تأتي اللحظة الأصعب.

يحاول أحد الزوجين الإصلاح، ويعتذر، ويناقش، ويستعين بأهل الحكمة، بينما يعلن الآخر بوضوح أنه لا يريد الاستمرار.

هنا يقع بعض الناس في أسر الحب الأعمى.

يبحث عن ألف مبرر كي لا يصدق الحقيقة.

ويلوم نفسه على كل شيء.

وقد يقول: ربما هذا عقاب من الله لأنني قصرت في كذا، أو فعلت كذا.

وهنا يجب الحذر.

نراجع أنفسنا ونتوب إلى الله من تقصيرنا، لكننا لا نملك أن نجزم بأن حادثةً بعينها عقوبة إلهية لذنب بعينه دون دليل. والابتلاء نفسه ليس دليلًا على غضب الله؛ فحياة المؤمن مليئة بالاختبار، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن ما يصيب المؤمن من أذى قد يكون سببًا لتكفير خطاياه.

فلا تجعل الألم يتحول إلى محكمة تعاقب فيها نفسك كل يوم.

*استمع إلى أهل الحكمة… لا إلى مشعلي الحرائق*

وحين يشتد الخلاف، نحتاج إلى عين ثالثة ترى ما لا يراه الغاضبان.

وقد وضع القرآن منهجًا واضحًا عند اشتداد الشقاق:

﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].

لكن ليس كل قريب حكيمًا، وليس كل صديق مستشارًا.

فاحذر ممن يقول للزوج: أرها من الرجل!
واحذر ممن يقول للزوجة: لا تتنازلي له أبدًا!

فهؤلاء قد ينتصرون لك في ساعة غضب، ثم يعودون إلى بيوتهم وتبقى أنت وسط أنقاض بيتك.

الحكيم ليس من ينتصر لطرف، بل من ينتصر للحق والإصلاح.

وإذا انتهى الطريق…

ليس كل زواج يمكن إنقاذه.

هذه حقيقة مؤلمة، لكنها حقيقة.

فإذا بذل الزوجان أسباب الإصلاح، واستعانا بأهل الحكمة، واستحال استمرار العشرة، فلا ينبغي أن يتحول الحب إلى إذلال، ولا الفراق إلى انتقام.

وخاصة عندما يكون بينهما أطفال.

فالطفل ليس رسالة تهديد، ولا وسيلة مساومة، ولا سلاحًا يعاقب به أحد الوالدين الآخر.

قد يفشل رجل وامرأة في الاستمرار زوجين، لكن ينبغي ألا يسمحا لخلافهما بأن يجعلهما يفشلان أبًا وأمًّا.

وحتى بعد الفراق، تبقى الأخلاق.

لا تشهير.

لا هتك للأسرار.

لا سبّ للأهل.

لا تشويه لصورة الأب أمام أطفاله، ولا لصورة الأم أمامهم.

فالزواج قد ينتهي، ولكن المعروف لا ينبغي أن يموت معه.

*الحب أم التعلق؟*

هناك فرق صغير في الكلمات، كبير في الحياة:

الحب يقول: أتمنى أن تبقى معي.

*أما التعلق الأعمى فيقول:*

*لا أستطيع أن أعيش من دونك.*

*الحب يحفظ كرامتك وكرامة الآخر.*

أما التعلق فقد يجعلك تطارد بابًا أُغلق، حتى تنسى كل الأبواب التي ما زالت مفتوحة أمامك.

وحين يرحل إنسان من حياتك بعد أن بذلت للإصلاح ما تستطيع، لا تجعل رحيله يعني نهاية حياتك.

عد إلى ربك.

عد إلى والديك وأهلك.

عد إلى عملك.

إلى صحتك.

إلى أصدقائك.

إلى الأشياء التي أحببتها قبل أن يصبح شخص واحد هو عالمك كله.

*عد إلى نفسك.*

فالله الذي خلق من أحببت لم يجعل سعادتك حكرًا عليه، وأبواب الحياة أوسع من باب واحد أُغلق.

*قبل أن تصل الحكاية إلى نهايتها*

لهذا ليست رسالتي إلى الزوج وحده، ولا إلى الزوجة وحدها.

إنها لكل من يدخل بيت الزوجية:

تعلموا قبل أن تتزوجوا.

اعرفوا الحقوق والواجبات.

اجعلوا الإيمان أساس البيت.

أحسنوا الحوار.

لا تجعلوا كل مشكلة حديث الأهل والأصدقاء.

استشيروا الحكماء عندما تضيق بكم الرؤية.

أعطوا بحب، ولكن لا تلغوا أنفسكم.

سامحوا، ولكن لا تجعلوا التسامح تصريحًا مفتوحًا للإيذاء.

وحاولوا الإصلاح ما دام للإصلاح باب.

*فليس نجاح الزواج في ألا يختلف* *الزوجان، بل في أن يعرفا كيف يختلفان* *دون أن يهدم أحدهما الآخر.*

وإذا استحال البقاء بعد بذل أسباب الإصلاح، فليكن الفراق آخر الدواء، وليكن بأقل الأضرار وأعلى الأخلاق.

فليس كل من رحل خسارة، وليس كل من بقي مكسبًا.

وأحيانًا لا يكون الشفاء في أن يعود من تركك…

*بل في أن تعود أنت إلى نفسك*.

وهناك فقط ينتهي الحب الأعمى…

ويبدأ الحب الذي يرى، ويعقل، ويرحم، ويحفظ للإنسان *قلبه ودينه وكرامته.*

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24