بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
منذ أن خلق الله الإنسان، لم يجعله نسخةً مكررة من غيره، بل أودع في كل نفسٍ عقلًا يميزها، وتجربةً تصقلها، وظروفًا تشكل رؤيتها للحياة. ولذلك لم يكن الاختلاف طارئًا على البشرية، بل كان سنةً من سنن الله في خلقه، وجمالًا من جمال التنوع الإنساني.
غير أن المشكلة لم تكن يومًا في وجود الاختلاف، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معه.
لقد أصبحنا نعيش زمنًا يظن فيه بعض الناس أن الاتفاق الكامل هو المقياس الوحيد للمحبة، وأن مخالفة الرأي تعني بالضرورة سقوط الاحترام. فإذا اختلف صديقان، انقطعت بينهما المودة، وإذا تباين رأيان، تحولت المنصات إلى ساحات للاتهام والتجريح، وكأن الرأي المخالف جريمة، لا اجتهادًا يحتمل الصواب والخطأ.
إن الحضارات لا تنهض بالعقول المتشابهة، وإنما تزدهر حين تجتمع العقول المختلفة حول هدف واحد، فيكمل بعضها بعضًا. فاختلاف العقول يشبه اختلاف ألوان الزهور في الحديقة؛ فلو كانت كلها بلون واحد، لفقدت الحديقة كثيرًا من جمالها.
لقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، فقال سبحانه:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118].
فالاختلاف في طبائع البشر وأفهامهم سنة كونية، لكنه لا يبرر الخصومة ولا يبيح الظلم، وإنما يدعو إلى الحوار والبحث عن الحق.
وقال تعالى:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
فما أعظم هذا المنهج! فالقرآن لا يعلمنا كيف ننتصر على الناس، بل كيف نربح الناس.
ولقد جسّد رسول الله ﷺ هذا الخلق في أبهى صوره؛ فكان يستمع إلى مخالفيه، ويحاورهم بالحكمة، ولم يكن اختلاف الرأي يدفعه إلى الانتقاص من كرامة أحد. وكان الصحابة رضي الله عنهم يختلفون في مسائل الاجتهاد، ثم يصلون خلف بعضهم، ويتزاورون، ويتحابون، لأنهم أدركوا أن الأخوة أكبر من أن تهدمها مسألة فرعية، وأن الحق لا يُطلب بالصراخ، بل بالدليل والحكمة.
ومن أروع الأمثلة على ذلك ما وقع في غزوة بني قريظة، حين قال النبي ﷺ: «لا يُصلينَّ أحدُكم العصرَ إلا في بني قريظة»، فاختلف الصحابة في فهم المقصود؛ فمنهم من صلى في الطريق خوف خروج الوقت، ومنهم من أخر الصلاة حتى وصل، ولم يعب النبي ﷺ على أيٍ من الفريقين، لأن اختلافهم كان ناشئًا عن اجتهاد صادق.
وهكذا علمنا الإسلام أن الاختلاف في الفهم لا يستلزم فساد القلوب.
وفي تاريخ العلماء صفحات مشرقة تؤكد هذا المعنى. فقد اختلف الأئمة في كثير من المسائل الفقهية، ومع ذلك بقي الاحترام متبادلًا، والدعاء حاضرًا، والفضل محفوظًا. وكان الإمام الشافعي يقول: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.” وهي عبارة تختصر أدب الاختلاف في كلمات قليلة.
أما اليوم، فقد أصبح كثير من الناس يظنون أن رفع الصوت دليل قوة، وأن كسر المخالف انتصار، وأن السخرية من الآخرين نوع من الذكاء. والحقيقة أن الإنسان كلما اتسع علمه، ازداد تواضعًا، وكلما ضاق أفقه، ظن أن الحقيقة لا تسكن إلا في عقله.
لقد منحتنا وسائل التواصل الاجتماعي فرصة عظيمة لتبادل المعرفة، لكنها في المقابل جعلت البعض يخلط بين نقد الفكرة والطعن في صاحبها، وبين مناقشة الرأي وإهانة الإنسان. فأصبح الحوار معركة، وأصبح الهدف الانتصار للنفس بدل البحث عن الحقيقة.
إن احترام الاختلاف لا يعني أن نتخلى عن مبادئنا، ولا أن نساوي بين الحق والباطل، وإنما يعني أن نعرض ما نراه حقًا بأدب، وأن نمنح الآخرين حقهم في التعبير، وأن ندرك أن الإنسان قد يخطئ اليوم ويصيب غدًا، كما قد نصيب نحن اليوم ونخطئ غدًا.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه هو أن نفرق بين الاختلاف والخلاف. فالاختلاف تنوع في وجهات النظر قد يثري العقول، أما الخلاف فهو حين يتحول ذلك التنوع إلى خصومة وعداوة وبغضاء.
إن الأسرة التي تحترم اختلاف أفرادها تكون أكثر استقرارًا، ومكان العمل الذي يسمح بتعدد الآراء يكون أكثر إبداعًا، والمجتمع الذي يتسع للرأي والرأي الآخر يكون أكثر قوة وتماسكًا. فالاحترام لا يعني أن نتفق دائمًا، بل أن نحفظ للآخر كرامته وإن اختلف معنا.
وليس أجمل من أن يخرج الإنسان من حوارٍ وهو يقول: “لقد اختلفنا، لكنني ازددت احترامًا لك.” فهذه هي الأخلاق التي تبني الأمم، وتصنع الثقة، وتغرس المحبة.
فلنجعل شعارنا أن نبحث عن الحقيقة قبل أن نبحث عن الانتصار، وأن نناقش الفكرة لا صاحبها، وأن نزن كلماتنا قبل أن نطلقها، فرب كلمةٍ هدمت علاقة بُنيت في سنوات، ورب كلمةٍ حكيمة أصلحت ما أفسدته الأيام.
إن احترام الاختلاف ليس ضعفًا في الموقف، بل قوة في الأخلاق، وليس تنازلًا عن المبادئ، بل سموًا في التعامل. فليس من العظمة أن تُجبر الناس على أن يفكروا كما تفكر، وإنما العظمة أن تمنحهم حقهم في أن يختلفوا معك، ويبقى بينكم جسرٌ من الاحترام لا تهدمه الآراء، ولا تعصف به الخلافات.
فإذا تعلمنا أن نختلف بأدب، فلن نفترق بسبب رأي، ولن نخسر إنسانًا بسبب كلمة، وسيبقى الاحترام هو اللغة التي يفهمها الجميع، مهما اختلفت أفكارهم وثقافاتهم.













