صفية دعدي
السلام عليك يا ماما…
لا أعرف كيف أبدأ رسالتي، ولا كيف أعلّل سببها أصلا، لكن كل ما أعلمه أنّه قيل لنا هنا بمركز الطّفولة المسعفة إن لكل واحد منا أما، حتى وإن لم يعرفها.
كلّ الأشياء والكائنات لها أمهات، هكذا أخبرونا. حتى أن رحمة تساءلت حينها: هل لله أيضا أمّ؟ أخبرتها المربية أنّها ستدخل نار جهنّم إن هي كرّرت هذا السؤال.
ثمّ سألت ماهي النّار؟ تجنبت سؤالها المربية، ربّما حتى لا تكثر الأسئلة. فقد ملّت المربيات من أسئلتنا الكثيرة والّتي لا تحصى… هكذا كانت تردّد دوما، فنبتسم سخرية من السّائل.
لذلك قرّرت أن أكتب اليوم لك،
فلربما تجيبين أنت عن أسئلتنا.
ولعلّك تعرفين أن هذه رسالتي لك. رحمة تتساءل دوما عن أم الله ومن صنع النار؟ بينما أنا أتسال كل ليلة: هل يشبه أنفي أنفك؟
وهل عيناي مثل عينيك؟ وهل ولدتني ثمّ ضعت منك، أم أنّك نسيت الطّريق إليّ؟
أنا لا أغضب منك لأنني لا أعرف ماذا حدث أصلا. لكنّني…
توحشتك رغم أنّني لا أعرفك ولم أرك… في المدرسة عندما أرى الفتيات ترسمن أمهاتهنّ أرسم أنا امرأة بلا وجه، أخاف أن أرسم وجها لا يشبهك، مرّة حاولت أن أرسم وجهي على جسدك، لكنّ وجهي لم يكن بحجمك…. حين تتساءل رحمة عن أمهات الحيوانات تعلّمني رفقتها كل مستجدّ، اليوم أخبرتني أنّ أم الشبل تدعى اللبؤة. حتى ملك الغابة لديه أمّ ترضعه وتحنّ عليه وتمسح شعره. فأين أنت يا أمّي؟ المربية تقول دوما أن الله يرى كلّ شيء، وأن النار ستلتهم أجساد كل من عصوا الله، تخبرنا أن الله يغضب من الأطفال الذين لا يسمعون الكلام وأن يوم القيامة يأتي فجأة، تذكّرنا في كلّ مرّة أن الدنيا ستشتعل كلها ولن ينجو إلا الطيّبون. أنا أحاول أن أكون طيّبة يا ماما، أرتب فراشي، وأغسل كأسي، ولا أسرق الحلوى والأقلام من صديقاتي. وأصلّي…
أنا أصلّي أحيانا، كثيرا ما أنسى وأدعي أنّني صلّيت، لكنّ لن أكرّرها بعد اليوم يا أمّي. أريد فقط أن يسمح لي الله أن أراك قبل يوم القيامة، سيكون اللّهب كبيرا، وربّما سيحول دون رؤيتي لك… هل تشتاقين لي يا أميّ؟ اليوم حلمت أنّك جئت…، لم أر وجهك، كان نورا يشعّ منه، لذلك لن أستطيع أن أرسمه حتى، لقد استيقظت قبل أن أصل اليك، كنت أودّ أن أعانقك…
حزينة جدّا لأنّني لم أتمكّن. لم أكن أعرف حتى كيف أناديك: أمي؟ ماما؟ أم أهتف: يا سيدتي التي أنجبتني؟ خفت ألا يشبهك أيّ اسم فلا تلتفتين… هنا في المركز حين يزورنا الغرباء يختارون الأطفال الصّغار أوّلا. يحملونهم، يضحكون معهم ويلتقطون الكثير من الصّور، نسمعهم يردّدون قل: ماما، أنا ماما… ها هي ماما…
أما نحن الكبار فنُترك في الخلف كشاهد على سعادتهم نصفّق لهم ونبتسم. نلوّح بأيدينا للصّغير المحظوظ بأمّه السّعيدة. أحيانا أفكر لو كنت أصغر بعامين ربما لكنت الآن أنام في بيت ما، مثل منازل زميلاتي في المدرسة، لا في غرفة فيها عشرون سريرا متشابها. حتى ملابسنا الداخلية نشترك فيها.
لكنّني حتى قبل عامين لم أحظ بماما. ولا قبل العامين بعامين. ولا قبلهم بعامين آخرين أيضا، ولا قبل ستة أعوام ولا حين كنت رضيعة… هل فكّرت بي اليوم؟ أنا أفكّر بك كلّ يوم. عندما أمرض، أتساءل من الذي كان يضع يده على جبيني حين كنت رضيعة؟ وعندما تسلّمني المعلمة بطاقة استحسان أتساءل إن كان أحد يخبرك بها؟ وعندما أبكي ليلا خوفا من عذاب النار أتساءل هل انقبض قلبك من دون أن تعرفي السّبب؟ كما نقرأ في النصوص؟ في الأسبوع الماضي جاءتنا معلّمة جديدة، توقّعت أن تقرأ لنا قصّة عن الأميرات أو عن الذّئب أو رؤى أعواد الكبريت، لكنّها لم تفعل ذلك، لقد روت لنا عن سارق النّار، قالت إنه سرق النّار من الآلهة وأهداها إلى البشر لأنّهم كانوا يرتجفون من البرد ويعيشون الظلام. ضحك الأطفال وقال أحدهم: رجل طيّب…
تساءلت رحمة: كم إله يوجد؟ همست في أذنها: إله واحد، لكنّه مغفّل… رجل يسرق منه النّار؟
لكنّني بقيت أفكّر: كيف تكون النّار هديّة؟ وأنا أخشى النّار… فقد قالت المعلّمة نار الحكمة. وقبلها قالت المربية نار الحطمة… المربية تخيفنا دوما بها حين تحاول أن تهذّب سلوكنا. فتقول إنّ النّار تعرف طريقها إلى العاصين. فهل سارق النّار سيحترق أيضا؟ فلقد جاء فعلا منكرا….
منذ ذلك اليوم يا أمي صرت حائرة: كيف تكون النار هديّة وعقابا في الوقت ذاته؟ كيف تحوّلت السرقة إلى فعل نبيل حين كانت سرقة للنّار؟ بينما تظلّ في ميزان أخلاق معلّمينا في ميزان الأخلاق شيئا نكرا؟ أهو المسروق ما يمنح الفعل شرعيّته؟ أم الغاية؟ أم الفاعل؟
فلربّما سمعتها قالت: هو نصف بشر ونصفٌ أرقى من البشر؟ تماما كما نرى في الأفلام الكرتونية. هكذا تخيّلت شكله. في الليل قبل أن أنام أدعو الله أن يجعلك بخير، رغم أنّني لا أعرف أين أنت ولم تركتني هنا. ثم أطلب منه شيئا واحدا: لا تجعل النار يوم القيامة بيننا. أحلم أن يسرقني سارق النّار ويأخذني إليك أنى كنت. أريد أن أعرف وجهك أوّلا، أريد أن أعرف إن كان حضنك دافئا كما تخيّلته دوما. أمّي.. ماما.. يا سيّدة أنجبتني: لو تدركين حجم الرّعب الذّي بداخلي… ففي هذا الصّباح استيقظت على صوت لم أسمعه من قبل؛ صراخ كبير، ورائحة غريبة تخنقني، تؤلمني…
فتحت عيني فرأيت الدّخان يزحف داخل الغرفة، كأنّه حيوان أسود ضخم يبحث عنا نحن الأطفال. كانت الفتيات تركضن، إحداهن تبكي، وأخرى تنادي اختها، آخرون يصرخون..، عويل وهتافات…. رحمة بقيت واقفة لا تعرف إلى أين تهرب، سألتني: هل هي نار القيامة؟ شلت ساقاي وأنا أقبع بجانبها، وهمست لها كما كنت أفعل دوما:
نحن طيبون،
كنا نصلّي ولم نك نكذّب بيوم الدّين.
رحمة تذكّرت سارق النّار ولعنته، ألم يجد غير النّار يسرقها؟ حشرت نفسها في الزاوية وفجأة صارت لهيبا…
صرخت وصرختا وصرخنا…
ثم شعرت أنّ صوتي انفصل عن لساني،
كنت أصرخ لكن صوتي ظل عالقا في حلقي، وحدقتاي مشدودتين صوب رحمة تتفحّم. لم ينقذها أحد… كانوا يسقطون الواحد تلوى الآخر. سمعت زجاجا يتحطّم وصراخا وعويلا وأطفالا تختنق. كانت النار تقفز من نافذة إلى أخرى، تنتقل من فراش إلى آخر… من غرفة إلى غرفة…
كبرت بسرعة،
كأنها كانت تعرف الطريق إلينا منذ زمن، في تلك اللّحظة نسيت عذاب النّار ولم يبق في رأسي سوى سؤال واحد: هل هذه هي النّار التي سرقها لأجل البشر؟
إن كانت هي… فلماذا جاءت لتسرقنا نحن الأطفال؟
ثم ّتذكّرت كلام المربية: سيأتي يوم القيامة فجأة… ارتبكت…لم أعد أعرف. هل المركز يحترق؟ أم أن الدنيا كلّها تحترق؟
هل أهرب؟
ورحمة؟
هل أتركها رمادا؟
كيف سأحمل جثّتها؟
ولمن؟
هل لها أمّ تنتظر جسدها؟
ناديتكِ… رغم أنني لا أعرف وجهكِ، صرخت بكلّ قوّتي، حتى إنني شعرت بي أبلّل ثيابي من الفزع…
يا أمي……
وكانت تلك أوّل مرّة أناديك فيها. لا أعرف إن كان صوتي وصل إليك. أطلّ رجل كالملاك كلّ الأطفال كانوا يصرخون، بل يتوسلون: يا عمو، يا عمو يا عمو…
كنت واحدة ممن انتشلني، لحظتها لم أتمنّ سوى أن أراك مرّة واحدة قبل أن أعرف إن كان ما يحدث حريقا…
أم يوم القيامة. تأمّلت وجه الرّجل الملاك الّذي سرقني من النّار علّني أرى وجهكِ فيه. كان نصف ملاك ونصفه بشر، تماما كما نرى في الأفلام الكرتونية.
بكى كثيرا رغم أنّه ليس أمّي.
يا عمّو…: هل تبلغ رسالتي لأمّي؟
بأنّني لم أمت اليوم لأنّي ما زلت أحلم بأن أسرق نارا لا تحرق أحدا. تضيء العقول ولا تحرق القلوب، وتبقي الأطفال في حضن أمّهاتهم مهما أخطأن أو ضيّعن الطّريق إليهم.
أحد عشر طفلا والمربية والقمر…
رأيتهم عنّي راحلون صبيحة يوم الخميس السادس عشر جويلية 2026.













