روزوود… حين احترق المكان وبقي الرماد شاهدًا على الصمت
بقلم ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان-مسقط

لم تكن روزوود مجرد بقعةٍ صغيرة على خريطة فلوريدا،
بل كانت وعدًا هادئًا بالحياة.
بيوتٌ خشبية متواضعة، كنيسةٌ يعلو منها الدعاء، مدرسةٌ يتعلم فيها الأطفال حروف الأمل، ومتاجر صغيرة تُقايض التعب بكسرة خبزٍ وشيءٍ من الكرامة.
هناك، كان نحو مئتي روحٍ سوداء تحاول أن تعيش… لا أكثر.
لكن التاريخ أحيانًا لا يحتاج إلى حربٍ كي يشتعل،يكفيه اتهام.
في مطلع يناير من عام ١٩٢٣م، خرجت كلماتٌ مرتجفة من بلدةٍ مجاورة، ادّعت امرأةٌ بيضاء أن رجلًا أسود اعتدى عليها.
لم ينتظر الغضب دليلًا،
ولم ينتظر الحشد حقيقة.
وفي الجنوب الأمريكي آنذاك،كان اللون وحده كافيًا ليصبح الإنسان هدفًا.
تجمّع المئات.
بنادق، مشاعل، ووجوهٌ يحرّكها خوفٌ قديم اسمه الكراهية.
زحفوا نحو روزوود كما يزحف الليل نحو آخر خيطٍ من الضوء.
سُحِب الرجال من بيوتهم، ضُرِبوا، أُطلِق عليهم الرصاص،
وتحوّل الصراخ إلى لغةٍ أخيرة قبل الصمت.
اشتعلت البيوت بيتًا بعد بيت، وكأن النار كانت تحفظ أسماء أصحابها.
هربت العائلات إلى المستنقعات،
اختبأت بين الماء والبرد والظلام،
تحتضن أطفالها كي لا يسمعهم الموت.
وبحلول السابع من يناير، لم تعد روزوود مدينة…
بل *ذكرى محترقة.*
سُجِّل رسميًا مقتل ثمانية أشخاص،
لكن الشهادات اللاحقة همست بأرقامٍ أكبر،
أرقامٍ دفنها الخوف مع الجثث التي لم تُحصَ.
انعقدت التحقيقات سريعًا، ثم انفضّ كل شيءٍ كما لو أن شيئًا لم يكن.
لا متهمين، لا عدالة،
فقط أرضٌ سوداء من أثر الحريق… وصمتٌ طويل.
*ستون عامًا مرّت* ،
والناجون يحملون داخلهم مدينةً لا يجرؤون على نطق اسمها.
كان الخوف أطول عمرًا من النار،
وأقسى من الذاكرة.
حتى جاء عام ١٩٨٢م،
حين بدأ صحفي يبحث في الرماد،
فوجد أصواتًا ما تزال ترتجف تحت طبقات النسيان.
وبعد عامٍ واحد، خرجت القصة إلى العلن، ولم يعد بالإمكان دفنها مرةً أخرى.
في التسعينيات،
جلس الشيوخ الناجون أمام المشرّعين، بعضهم على كراسٍ متحركة، يحكون لا ليبكوا…
بل ليُثبتوا أنهم كانوا هنا يومًا.
وفي عام *١٩٩٤م* ،
جاء الاعتراف متأخرًا مثل كل الاعترافات الثقيلة.
قانونٌ يمنح التعويض للناجين،
ومِنَحًا لأبنائهم،
وكأن العدالة تحاول أن تعتذر…
بعد أن تأكدت أن معظم الضحايا لم يعودوا أحياءً لسماعها.
لم تُبنَ روزوود من جديد.
بقيت الأرض خالية،
لكن الفراغ نفسه صار شاهدًا.
لأن المدن لا تموت حين تُحرق،
بل تموت حين يُصدّق العالم أنها لم تكن موجودة أصلًا.
*وروزوود* …
ما زالت تقول بصوت الرماد:
الذاكرة شكلٌ آخر من أشكال العدالة.
العام ٢٠٠٤م وضعت فلوريدا علامة تاريخية: “مجتمع أمريكي من أصل أفريقي مزدهر، دمره العنف العنصري”.
*لتبقى وروزوود شاهدا على العنصرية على مر الزمن.*



