
ثمة بقعةٌ هي الأحبُّ إلى قلبي، وملاذي الذي أجد فيه كفاية روحي وسلوى فؤادي؛ إنه مسجد قباء. حين تلامس جبهتي أرضه في صلاة الفجر، يبدأ يومي بميلادٍ جديد، يشعُّ جمالاً وانشراحاً.
ما إن تنقضي الصلاة حتى أمضي نحو الساحة، فأرقبُ مشهد الشروق وهو يغمر الكون بحنانه؛ وكأنَّ الشمسَ ذراعانِ تحتضنان الأرض في فجرٍ واعد، ترسلُ خيوطها الذهبية لتداعب وجدان الوجود، فتبثُّ فيه الحياة من جديد، فتهتز الأرض ابتهاجاً وتستبشر. وهناك، ألمحُ الحمام يغدو في فضاء السكينة جذلاً، يسعى لرزقه الوافر الذي ساقه الله إليه بغير نَصَب.
تمتلئ الساحة بجموع المصلين من شتى بقاع الأرض، وجوههم تفيضُ بشراً ونوراً، يتبادلون التحايا والمودة في مشهدٍ لا تفرقُه عن بهجة العيد.
أجولُ ببصري، فيستوقفني ذلك الشيخ الوقور، الذي خطَّ الزمان على وجهه حكايا الصبر، يبيع التمر للمارة بكلماتٍ تملؤها البركة: “هذه وصيةُ محبٍّ لكم، رزقني الله وإياكم وسائر عباده”.
وبالقرب منه، ينسابُ صوت طفلٍ كعزفٍ رقيق وهو ينادي: “ماءٌ بارد، تفضل يا حاج”؛ فيأتيه الردُّ بدعاءٍ يفتح أبواب السماء: “سقاك الله من نهر الكوثر، وجزاك خيراً”. حينها، أوقنُ تماماً أن لا سعادة تعادل تلك التي ترتسم على وجه الصغير حين تلامس قلبه تلك الدعوات الصادقة.
————



