
أولاً: مقدمة
تشهد العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة معقّدة تتداخل فيها الدبلوماسية مع الضغط العسكري والاقتصادي. ورغم استئناف قنوات التفاوض غير المباشر، لا تزال مؤشرات الثقة ضعيفة، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المحادثات تمثل مساراً حقيقياً نحو تسوية أم مجرد أداة لإدارة الصراع وتأجيل المواجهة.
ثانياً: السياق الاستراتيجي للمفاوضات
تأتي المفاوضات في ظل بيئة إقليمية مضطربة تتسم بثلاثة عناصر رئيسية: اختلال ميزان القوة التقليدية لصالح واشنطن عسكرياً وتكنولوجياً؛ امتلاك طهران أدوات ردع غير متماثلة تشمل النفوذ الإقليمي والقدرات الصاروخية والبحرية؛ ضغوط داخلية متزامنة: اقتصادية على إيران، وسياسية وانتخابية على صانع القرار الأمريكي. هذا التلاقي يجعل التفاوض خياراً مفضلاً مرحلياً لكلا الطرفين، ليس بالضرورة للوصول إلى اتفاق شامل، بل لإدارة التوتر ومنع الانفجار.
ثالثاً: أهداف الأطراف
1. الأهداف الأمريكية: تقييد البرنامج النووي والصاروخي الإيراني؛ تقليص النفوذ الإقليمي لطهران؛ حماية خطوط الطاقة والممرات البحرية.
2. الأهداف الإيرانية: تخفيف أو رفع العقوبات الاقتصادية؛ الحفاظ على القدرات النووية ضمن سقف سيادي؛ ضمان بقاء النظام السياسي دون تهديد خارجي.
رابعاً: معضلة الثقة الاستراتيجية
المعضلة الأساسية ليست في بنود الاتفاق، بل في غياب الثقة المتبادلة. فواشنطن ترى طهران خصماً أيديولوجياً، بينما تنظر إيران إلى السياسة الأمريكية باعتبارها ساعية لتغيير نظامها. وقد عززت تصريحات الرئيس دونالد ترامب السابقة حول تغيير السلوك الإيراني هذه القناعة داخل المؤسسة الإيرانية.
خامساً: محددات القرار بالحرب
رغم الخطاب التصعيدي، فإن خيار الحرب الشاملة يظل منخفض الاحتمال للأسباب التالية: الكلفة الاقتصادية العالمية، خصوصاً في حال تهديد الملاحة في مضيق هرمز؛ احتمالات اتساع الصراع إقليمياً. الحاجة إلى غطاء شرعي دولي، غالباً عبر الأمم المتحدة، وهو أمر غير مضمون.
سادساً: سيناريوهات المسار القادم
1. سيناريو التسوية المرحلية: اتفاق محدود يجمّد بعض الأنشطة النووية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات.
2. سيناريو إدارة الأزمة: استمرار المفاوضات دون اتفاق نهائي، مع تصعيد إعلامي وضغوط اقتصادية.
3. سيناريو الضربة المحدودة؛ عملية عسكرية دقيقة تستهدف منشآت أو قدرات محددة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
4. سيناريو الانفجار الإقليمي: أضعف الاحتمالات لكنه الأخطر، ويحدث إذا فشل الردع المتبادل أو وقع خطأ حسابي.
سابعاً: التقدير الاستراتيجي
المعطيات الحالية تشير إلى أن الطرفين يفضلان التفاوض كبديل عن الحرب، لا كطريق للسلام النهائي. فالدبلوماسية هنا تؤدي وظيفة تكتيكية: شراء الوقت، اختبار النوايا، وتحسين شروط التفاوض. بعبارة أخرى: الصراع مستمر، لكن أدواته تتبدل بين الضغط والتفاوض.
ثامناً: خلاصة تقدير الموقف
لا توجد مؤشرات قريبة على اتفاق شامل؛ احتمالية الحرب الشاملة منخفضة حالياً لكنها غير مستبعدة؛ المسار المرجح هو استمرار التفاوض مع تصعيد محسوب؛ العامل الحاسم مستقبلاً سيكون التوازن بين الضغوط الداخلية لكل طرف وقدرته على تحمّل الكلفة.
التقييم العام:
المرحلة الراهنة ليست مرحلة حسم، بل مرحلة اختبار إرادات. ومن المرجح أن تبقى العلاقة الأمريكية–الإيرانية ضمن نموذج “لا حرب – لا سلام” إلى أن يتغير ميزان القوة أو تتبدل الحسابات الداخلية لدى أحد الطرفين.



