من الدبابة إلى طوق النجاة ..كيف هندس الاحتلال وعي العراقيين؟
الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

في استعراضنا السيروره التاريخية والنفسية لتحول صورة الاحتلال في ذهنية الشعب العراقي … لم يكن مشهد ناقلات الجند الأمريكية وعربات الهامفي وهي تجوب شوارع بغداد ومدن العراق بعد التاسع من نيسان 2003 مجرد استعراض قوة عسكرية بل كان في جوهره عملية الهندسة نفسية الكبرى. في تلك الأيام وبينما كانت ضربات المقاومة الوطنية العراقية الحقيقية (النابعة من عقيدة الدفاع عن الأرض والسيادة) تكبّد المحتل خسائر جسيمة في حينها تساءل الكثيرون: لماذا يصرُّ المحتل على جعل جنوده أهدافاً سهلة بكثرة تجوال جنوده في شوارع العاصمة والمدن العراقية الأخرى ؟
وكانت إجابتي تكمن في استراتيجية كسر الحاجز النفسي لدى المواطن العراقي ؟! لقد أراد الاحتلال بمكر ودهاء عبر الكثافة العددية والظهور المستمر لتحويل وجوده من ((صدمة طارئة إلى واقع يومي )) يجب ان يعتاد عليه المواطن. كان الهدف هو ترويض العين والحالة النفسية العراقية على رؤية القوات والعلم الأجنبي .. وتحويل حالة الرفض المطلق إلى نوع من التعايش النفسي القسري الذي يمهد لمراحل أخطر.
اولا: تحالف القوة الغاشمة والدهاء الماكر
لقد تقاسم المحتلان الرئيسيان الأمريكي والبريطاني الأدوار بدقة متناهية. استخدمت الولايات المتحدة (القوة الغاشمة)لتحطيم هيكل الدولة ومؤسساتها بينما تكفل الدهاء البريطاني التاريخي برسم خرائط الفتنة وتفتيت النسيج الاجتماعي. كان الهدف الأكبر لهذا التحالف ليس مجرد السيطرة العسكرية بل تغيير وظيفة المحتل في عقل ونفسية العراقي. ولتحقيق ذلك ؟! تم استخدام أخطر الأوراق وهي ورقة الملالي الإيرانية!!
ثانيا:صناعة البعبع الطائفي
بذكاء وخبث وتخطيط محكم مهد المحتل الطريق لملالي طهران وأذرعهم من الأحزاب والميليشيات للسيطرة على مفاصل الدولة. لم يكن هذا التمكين الإيراني خطأً إستراتيجياً أمريكياً كما يعتقد ويروج البعض بل كان فعلاً ممنهجا مقصوداً. لقد أراد الاحتلال خلق ((نموذج حكم )) يتسم منذ انطلاقته بالفشل والفساد والتبعية المطلقة لإيران بحيث يصبح هذا النموذج هو الوجه القبيح الذي يراه العراقي يومياً.
هنا بدأت اللعبة الكبرى … فعندما يذوق الشعب مرارة الظلم والتجهيل والفقر والقتل على الهوية تحت مظلة ((الهيمنة الفارسية )) وذيولها … سيبدأ لا إرادياً بمقارنة هذا الجحيم بما سبقه أو بالبحث عن منقذ. وبما أن المحتل هو من صنع ويمسك خيوط اللعبة فقد نجح في تقديم نفسه بمرور السنوات كقوة ((توازن)) تحمي العراق من الابتلاع الإيراني الكامل.
تحول الضحية نحو الجلاد
النجاح الأكبر للاحتلال تمثل في الوصول بالعراقين المتضررين الذين يمثلون ٩٩:٩٪ من الشعب المنكوب إلى نقطة اليأس التي يرى فيها أن الشيطان الذي دمر بلده في 2003 هو الوحيد القادر على لجم الوحش الذي أطلقه ذلك الشيطان نفسه. أصبح العراقي اليوم وهو يرى مدنه تدار بعقلية (الولي الفقيه) يحلم بالنموذج الغربي أو بالتدخل الأمريكي لتخليصه من سلطة الميليشيات.
إنها المفارقة التاريخية المؤلمة … أن يصبح المُسبّب الأول والأخير في دمار العراق هو ((طوق النجاة)) المنشود. لقد نجح الاحتلال ليس فقط بتشويه صورة المقاومة الوطنية الحقيقية بل وتحويلها إلى ذكرى واستبدلها بصراع بين ((مشروع فارسي)) تدميري و وجود أمريكي يتم تسويقه كحليف ضروري.
اذن لم ينجح الاحتلال بالسلاح وحده بل نجح حين استطاع إقناع الضحية (الشعب العراقي المكلوم ) بأن جلاده القديم هو حاميه من جلادوه الجدد الذي صنعهم الجلاد القديم نفسه؟! إن ما يحدث اليوم في العراق هو الثمرة المرة لعملية بدأت في نيسان 2003 حيث تم ترويض الوعي العراقي ليقبل بالاحتلال ليس كقدر محتوم فحسب … بل كضرورة وجودية لمواجهة تمدد لا يقل عنه خطورة وهو التمدد الفارسي الطائفي العنصري الذي ما كان ليكون لولا مباركة الدبابة الأمريكية ودهاء السياسة البريطانية.



