
منذ بداية عام 2026 وبناءً على معطيات تعيين السيد توم باراك وفي ضوء قراءة دقيقة لعقلية إدارة الصفقات والنتائج الملموسة من فرضية أن هذا هو المشهد الحقيقي في العراق تحت هيمنة المليشيات الولائية المسلحة ؟! وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بقوة فهل تملك القوى الوطنية العراقية القدرة على استثمار هذا الضغط الذي يمكنها ان تكون بيضة القبان؟! وهل القوى الوطنية قادرة فعلا على القيام بهذا الدور ؟ وما هي شروط نجاحها؟
اولا:-للإجابة على هذه التساؤلات المنطقية لابد أن نشير إلى حجم العوائق التي تقف أمام القوى الوطنية في العراق منذ احتلاله لاسيما بعد تمكن جماعات ملالي طهران من الهيمنة على النظام في العراق او هكذا تبدو الصورة والتي قد تكون السبب في فشلها …..فرغم الضغط الدولي الهائل الذي قد يمارسه “باراك” أو الإدارة الأمريكية، ستواجه القوى الوطنية العراقية تحديات بنيوية مثل تشتت الجبهة الوطنية حيث تعاني القوى المدنية والوطنية والمستقلة من تشرذم كبير. لاسيما غياب “القيادة الموحدة” أو “المشروع الوطني العابر للمناطقية” والطائفية الأمر الذي يجعل من الصعب تحويل الضغط الدولي إلى مكاسب سياسية على الأرض.
كذلك وجود ترسانة الدولة العميقة فالميليشيات ليست مجرد سلاح، بل هي اقتصاد (مكاتب اقتصادية) وقضاء ووسائل اعلام وتغلغل في مفاصل الوزارات. لذلك نتوقع ان يضعف الضغط الأمريكي بعض الرؤوس لكن الأرجل ستبقى مغروسة في البيروقراطية العراقية التي تم صناعتها باحترافية عالية بعد الاحتلال؟!
كما ان ترسخ فوبيا العمالة وقيام الفصائل المسلحة الولائية دائماً في استهداف وشيطنة أي تحرك وطني يستفيد من الضغط الدولي عبر وصفه بأنه “مشروع أمريكي-صهيوني”…وهذا قد يخلق حاجزاً نفسياً لدى قطاعات من الشعب العمال أو المترددين.
ثانيا:-نقاط القوة والفرص (كيف يمكن النجاح؟) صحيح ان القوى الوطنية ربما تملك الآن “أوراقاً” لم تكن تملكها في 2019 (وقت انتفاضة تشرين) لاسيما الوعي الشعبي بالخطر الاقتصادي ففي 2026 إذا نجح “باراك” في خنق تدفقات الدولار فعلياً ومنعها من الوصول إلى عملاء ايران سيتأكد العراقيون أن “ذيول إيران” هم السبب المباشر في فقرهم. وهنا تتحول القضية من “صراع سياسي” إلى “قضية رغيف خبز”، وهو المحرك الأقوى للشارع.
وهناك الانكشاف الإقليمي فإذا نجحت خطة باراك في سوريا ولبنان (قطع شريان الإمداد)، ستشعر الفصائل العميلة في العراق باليتم اللوجستي. هذا الضعف هو اللحظة المثالية للقوى الوطنية للمطالبة بانتخابات مبكرة تحت إشراف دولي حقيقي.
اما المؤسسة العسكرية الرسمية فهناك جيل جديد من الضباط والجنود في الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب يشعرون بالإهانة من تغول هذه الميليشيات وهؤلاء هم الحليف الطبيعي لأي مشروع وطني مدني.
ثالثا:-سيناريو “الاستثمار الناجح” للضغط الدولي ….. لكي تفرض القوى الوطنية تغييراً حقيقياً، عليها ألا تكتفي بالتصفيق لإجراءات باراك إن نفذت ؟! بل يجب عليها أن تقوم بما يلي:-
1.طرح مشروع وبرنامج بديل للحكم وتقديم رؤية اقتصادية وأمنية تقنع الشارع (وحتى المجتمع الدولي) بأن هناك بديلاً جاهزاً لإدارة الدولة، وليس مجرد الرغبة في إسقاط الموجود.
2.التغلغل في المناطق الرمادية وكسب تأييد القوى المجتمعية (العشائر والنقابات، أكاديميين) التي تضررت من هيمنة الميليشيات، لخلق قاعدة شعبية صلبة تحمي أي قرار سياسي بالسيادة.
3.فصل “الوطني” عن “الأجنبي” وهنا يجب أن يكون الخطاب نحن نريد دولة قانون لمصلحة شعب العراق والتقاطع مع مصالح واشنطن في تحجيم الميليشيات هو تقاطع مصالح مؤقت وليس ارتهاناً .
لذلك في عام 2026 يمكن أن يتحول الضغط الذي قد يمثله “توم باراك” الى مطرقة قوية جداً، لكن هذه المطرقة لوحدها لا تبني بيتاً. ما لم يكن هناك سندان للوطنية الداخلية المتمثل بجبهة سياسية موحدة وشجاعة فإن الضغط الأمريكي قد ينتهي بصفقة بين واشنطن وطهران على حساب العراق وهو امر غير مستبعد فادارة ترامب تعشق الصفقات المربحة … أو قد ينتهي بفوضى أمنية يستغلها المتطرفون.
اذن القدرة موجودة كإمكانية لكنها تفتقر حتى الآن إلى التنظيم السياسي القادر على تحويل واستغلال لحظات الضعف الميليشياوي إلى لحظة بناء وطني.



