
سؤال ربما لم تفكر فيه يوم من الأيام وهو هل أتقنتَ دور المتفرج حين دارت الحياة على من آذاك؟ وأبدعت في تصفيات القدر، أم لم تلاحظ ذلك؟
ذلك الدور الذي لا يتطلب شجاعة المواجهة، ولا ضجيج الانتصار، بل يحتاج فقط إلى وعيٍ هادئ، وصبرٍ طويل، وقدرة نادرة على كبح الرغبة في التعليق.
في لحظةٍ ما، نكتشف أن الحياة تمتلك عدالة بطيئة، لكنها دقيقة لا تأتي بالانتقام السريع ، ولا ترفع لافتات النصر، بل تكتفي بإعادة ترتيب المشهد عليهم . أشخاص كانوا في موقع القوة، يتعثرون فجأة. كلمات قاسية قالوها يومًا، تعود إليهم بصيغة صمتٍ ثقيل. أدوار انقلبت، دون أن تحرك أنتَ ساكنًا.
المتفرج الحقيقي لا يشمت، ولا يبتسم بالسر ، ولا يقول: “ألم أقل لكم؟”. هو فقط يراقب، كمن أنهى معركته مبكرًا وقرر الانسحاب بكرامة. يعرف أن الانتصار ليس في رؤية سقوط الآخرين، بل في نجاته هو من التحول إلى نسخةٍ تشبههم.
وهنا السؤال الأهم:
هل كنت متفرجًا واعيًا، أم مجرد غائب عن المشهد؟
فالمتفرج الواعي يرى، يفهم، ويتعلم. يدرك أن ما حدث لم يكن صدفة، بل نتيجة إختيارات، وأن القدر حين يصفي حساباته، لا يحتاج إلى شهود، بل إلى صمتٍ يحفظ هيبته وحتى وأن كان شامتًا .
دور المتفرج ليس ضعفًا كما يظنه البعض، بل قوة من نوع آخر. قوة ألا تمد يدك للعبث، وألا تلوّث قلبك بالشماتة، وألا تستهلك طاقتك في متابعة من خرجوا من حياتك أصلًا. هو استثمار ذكي في سلامك الداخلي، وإدارة راقية للمشاعر، بلغة الأعمال نقول: أقل خسائر… وأعلى ربح نفسي.
وفي النهاية، إن أتقنت هذا الدور، فاعلم أنك تجاوزت مرحلة الألم إلى مرحلة الفهم، وتلك مرحلة لا يصلها كثيرون.
أما إن لم تلاحظ ما حدث، فربما لأنك كنت مشغولًا ببناء ذاتك، وهذا بحد ذاته… أعظم الأدوار.



