في بلادنا اليوم، وبين تعقيدات الحرب وتداخل الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية، يتقدم إلى واجهة المشهد سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه شديد العمق في دلالاته ومآلاته: من يحكم السودان؟
في الظاهر ، تبدو الإجابة مباشرة: السلطة تتجسد في المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها مجلس السيادة والوزراء والقيادة العامة للقوات المسلحة، التي تحمي البلاد في واحدة من أعقد المراحل منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. لكن قراءة المشهد تكشف أن القضية لا تتعلق بالأشخاص، بل بطبيعة السلطة، وبالطريقة التي تشكّلت بها المعادلة السياسية منذ سقوط نظام عمر البشير عام 2019.
كان ذلك التحول يمكن أن يؤسس لعقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، لكن القوى السياسية لم تنجح في إدارة تلك المرحلة بروح الدولة، وانزلقت إلى صراع على السلطة. ومنذ ذلك الوقت بدأت سلسلة من الاختلالات أضعفت مؤسسات الدولة ومهّدت للأزمة الراهنة.
تمثل الاختلال الأول في استبدال السياسة بالإقصاء. فقد رُفعت شعارات العدالة، لكن الممارسة اتجهت في كثير من الأحيان نحو التشهير بالخصوم وإبعادهم، بدلًا من محاسبتهم عبر القانون. ومع الوقت، بدأت الدولة تُدار بالأشخاص لا بالمؤسسات، فتراجع مبدأ سيادة القانون، وهو الركيزة الأساسية لأي نظام سياسي مستقر.
أما الاختلال الثاني فتمثل في إفراغ الشرعية من مضمونها. فبدلًا من الاحتكام إلى الشعب عبر انتخابات أو جدول انتقال واضح، جرى التعويل على شرعية الثورة مفتوحة بلا سقف زمني، تُدار عبر تحالفات هشة وتفاهمات محدودة . ومع تمدد هذا الفراغ، نمت داخل الدولة مراكز نفوذ موازية، وأصبحت السلطة موزعة بين مؤسسات رسمية وقوى أمر واقع.
وفي ظل هذا الارتباك برزت الخطورة بتعدد مراكز القوة داخل الدولة. فقد تعاظم نفوذ المجموعات المسلحة في ظل غياب رؤية سياسية واضحة تعيد ضبط العلاقة بين المؤسسات العسكرية والسياسية. ومع تصاعد التوتر بين هذه المكونات، أصبح الانفجار مسألة وقت، إلى أن جاءت حرب 15 أبريل لتكشف ضعف الدولة وتضع السودان أمام أخطر اختبار في تاريخه الحديث.
غير أن الحرب لم تكن وحدها ميدان الصراع، فقد رافقتها معركة أخرى لا تقل خطورة: معركة الروايات السياسية. فقد أثارت تسريبات بثتها قناة سكاي نيوز أمس جدلاً واسعاً، بعد أن نسبت إلى القيادي في حزب المؤتمر الوطني محمد يوسف كبر حديثاً يشير بأن القرار داخل الدولة السودانية يُدار من خلف الكواليس عبر شبكات مرتبطة بالإسلاميين.
وبحسب ما جرى تداوله، فإن هذه الرواية تزعم أن المؤسسة العسكرية ليست سوى واجهة لسلطة أعمق داخل الدولة. غير أن كبر سارع إلى نفي هذه التسريبات جملةً وتفصيلاً، معتبراً أنها محاولة لصناعة سردية سياسية تهدف إلى تصوير الدولة السودانية وكأنها تُدار من خلف الستار.
بعيداً عن صحة هذه الادعاءات أو بطلانها، فإن ما تكشفه هذه الواقعة هو حجم المعركة الدائرة حول تفسير السلطة في السودان. فالتسريبات والشائعات ليست مجرد أخبار عابرة، بل أدوات تستخدم في الصراع السياسي والإعلامي لإعادة تشكيل صورة الواقع في أذهان الرأي العام.
غير أن الحرب لم تكن وحدها ميدان الصراع. فالتسريبات، والشائعات، والتصريحات المتضاربة لم تعد مجرد أخبار مصنوعة ، بل تحولت إلى أدوات للصراع على تفسير من يملك القرار ومن يدير الدولة. فإن خطورة هذه الادعاءات تكمن في أنها تعكس أزمة ثقة في بنية السلطة.
وفي الوقت ذاته، يتعرض السودان لتجاذبات إقليمية ودولية متزايدة، حتى باتت أزمته تُقرأ في كثير من الأحيان باعتبارها جزءًا من صراعات النفوذ في المنطقة. وهذا يعني أن سؤال الحكم في السودان لم يعد سؤالًا داخليًا، بل أصبح أيضًا مرتبطًا بمقدار تأثير الخارج في موازين القوة داخل الدولة.
لكن وسط هذا كله، تبقى الحقيقة الأهم أن مأزق السودان ليس مجرد صراع على من يجلس في قمة السلطة، بل هو أزمة أعمق تتعلق بثقافة سياسية لم تستوعب بعد معنى الدولة الحديثة. فالدولة لا تقوم على الغلبة، ولا تُدار بالشبكات الخفية، ولا تستمد شرعيتها من فوهة البندقية، بل من التوافق الوطني، وسيادة القانون، ورضا المجتمع عن مؤسساته.
من هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: من يحكم السودان اليوم؟ بل: كيف يمكن إعادة بناء الدولة السودانية على أساس الشرعية والتوافق؟
فالخروج من هذا المأزق يقتضي استعادة الشرعية الوطنية عبر مشروع سياسي شامل، يضم مختلف مكونات المجتمع السوداني، ويؤسس لمرحلة انتقالية واضحة المعالم، تستند إلى مؤسسات لا إلى التفاهمات. كما يقتضي بناء مجلس تشريعي وطني واسع التمثيل، يكون مرجعية للمرحلة الانتقالية، ويضع أسس القيادة والمساءلة، ويحمي الدولة من أي نفوذ.
وفي موازاة ذلك، لا بد من تفكيك الروايات المضللة عبر خطاب إعلامي منتبه و مسؤول، وتعزيز مشاركة الشباب والمجتمع المدني، حتى تصبح الشرعية نابعة من المجتمع لا من موازين القوة. كما أن السياسة الخارجية يجب أن تُبنى على مصلحة السودان، بحيث تمر الاتفاقات عبر مؤسسات الدولة .
لقد كشفت الحرب بحسب #وجه_الحقيقة أن السودان لم ينهَر في لحظة واحدة، بل تآكل تدريجيًا حين تراجع القانون، واتسع الإقصاء، وتقدمت الولاءات الضيقة على فكرة الوطن . ولذلك فإن استعادة الدولة تبدأ من الانتقال من سياسة الخصومة إلى سياسة التعاقد الوطني، حيث يُدار الخلاف داخل إطار الدولة، ويكون الشعب هو الحكم الذي يمنح التفويض أو يمنعه.
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 17 مارس 2026 م Shglawi55@gmail.com



