
لم يمضِ على زيارتي للقاهرة أكثر من عام، حتى ناداني الشوق إليها مرة أخرى، لكن هذه المرة كان النداء مختلفًا؛ فقد كانت الرحلة برفقة شريكة حياتي، في زيارتها الأولى إلى أم الدنيا.
رحلة قصيرة لم تتجاوز خمسة أيام، لكنها كانت زاخرة بالتجارب والدهشة. بدأنا جولتنا بين أزقة القاهرة العتيقة، من خان الخليلي وسوق العتبة والأزبكية، مرورًا بـ مقهى الفيشاوي العريق، واستحضار روح الطرب مع سيدة الغناء العربي أم كلثوم.
المتحف الكبير… حيث يتجسد التاريخ
كانت محطتنا التالية المتحف المصري الكبير، أكبر متحف حديث في العالم، تجربة استثنائية بكل المقاييس. عالم واسع من التحف الأثرية، والمجسمات العملاقة، وتاريخ متجسد في كل زاوية، يأخذك في رحلة عميقة عبر الحضارة المصرية القديمة.
الأهرامات… رهبة الخلود
ولا تكتمل السياحة في مصر دون زيارة الأهرامات العتيقة، القائمة شامخة في عمق الحضارة الفرعونية. الأهرامات الثلاث، وأبو الهول، الأسد الحارس لهضبة الجيزة، مشهد يفرض عليك الصمت قبل الإعجاب.
كما زرنا سقارة والهرم المدرج، وممفيس القديمة، واستمتعنا بركوب القارب في نهر النيل، ثم الصعود إلى برج القاهرة، حيث تبدو المدينة من الأعلى لوحة نابضة بالحياة.
مذاق القاهرة الشعبي
القاهرة لا تُزار فقط، بل تُذاق. استمتعنا بالأكل الفلاحي الشعبي، من مطعم حجوجة إلى مقهى الجحش، وصولًا إلى كشري أبو طارق، تجربة لا تكتمل الرحلة دونها.
أسواق القاهرة… روح المدينة
توجهنا بعدها إلى سوق الجمعة في السيدة عائشة، تجربة فريدة بقدم السوق وتنوع معروضاته، حيث تُباع أشياء لا يخطر وجودها على البال، من ملابس ومقتنيات قديمة نادرة.
ثم كانت المحطة التالية سوق السبت أو سوق ديانا، كما يسميه البعض، وهو أكبر سوق للأنْتيكات في الوطن العربي، عالم مفتوح لعشّاق التفاصيل والتاريخ.
مفاجآت غير متوقعة
ورغم كل هذا الجمال، لم تخلُ الرحلة من بعض السلبيات والمفاجآت.
مع بداية عام ٢٠٢٦، تفاجأنا بارتفاع كبير في أسعار تذاكر دخول المتاحف والمزارات السياحية بالنسبة للسياح العرب، بعد أن كانت مساوية للمصريين (حوالي 60 جنيهًا).
* تذكرة دخول موقع الأهرامات وصلت إلى 700 جنيه،
* والدخول إلى الهرم نفسه 1500 جنيه للفرد.
* أما في سقارة، وبرج القاهرة، ٥٥٠ جنيه
* والمتحف الكبير، فقد بلغت التذكرة 1450 جنيهًا للبالغ و730 جنيهًا للطفل.
* في حين لا تتجاوز تذكرة السائح المصري 200 جنيه فقط.
هذه القفزة الكبيرة في الأسعار كان لها أثر سلبي واضح على كثير من السياح العرب الذين لم يتوقعوا هذا التغيير المفاجئ.
التعامل والخدمات
من حيث التعامل، لم أواجه سوى موقف واحد سلبي في أحد مقاهي خان الخليلي، تمثل في الاستغلال السيئ للأسعار، والمعاملة الجافة، والإلحاح غير اللائق على “البخشيش” بعبارات من قبيل: (زبطني يا بيه) ، وهو أمر يسيء إلى السياحة وسمعة المكان.
أما المتسولون، فهم موجودون في كل مكان، لكن مع قلة الاحتكاك المباشر بالسياح.
وبخصوص النظافة، فلا تزال المشكلة قائمة؛ الأوساخ منتشرة في كثير من الأماكن، رغم وجود عمال نظافة في معظم الأحياء.
الأسعار والحياة اليومية
أسعار السلع بشكل عام طبيعية إلى حد كبير في مدينة نصر، وأقل قليلًا في العتبة، مع تفاوت واضح في الجودة.
خلاصة الرحلة
بشكل عام، كانت الرحلة في غاية الروعة والجمال. استمتعنا بأجواء القاهرة، وبساطة الحياة فيها، وخفة دم أهلها، وستظل هذه التجربة عالقة في الذاكرة لسنوات طويلة…
فالقاهرة، رغم كل شيء، لا تُشبه سواها.



