
انتظرتُ صديقي محمد كاشف على أحرّ من الجمر، كما يقول المثل العربي، لكنه – وللأسف – لم يأتِ إلى العشاء في موعده المعتاد.
كان قد سبقني في الحضور، وها أنا الآن وحيدٌ، ينهشني الفضول، وأكاد أختنق بأسئلة لا تهدأ:
ما سرّ المهندس مروان؟
ذلك الغائب الحاضر…
ولماذا يلفّه هذا الصمت الثقيل؟
ومن يُطفئ لهيب الانتظار؟
لا أحد.
قلتُ في نفسي: لعلّ المشي يخفّف وطأة الأسئلة. خرجتُ أتمشّى عبر قنوات مزرعة الحرية المائية، تلك العروق الخضراء التي تهب الحياة للمكان.
وإذا بالخطوات لا تأخذني إلى الأمام، بل تعيدني إلى الخلف… إلى الطفولة.
ولستُ نرجسيًا، غير أنّ بعض الذكريات تفرض نفسها، تفتح دفاترها دون استئذان.
كنا نسكن في منطقة زاخر بمدينة العين، تلك الحاضرة التي كانت مسكنًا للشيوخ وملاذًا للسكينة. كنت أدرس في مدرسة الشويفات الدولية بمنطقة المناصير، ولا أدري إن كانت لا تزال قائمة أم رحلت كما رحل كثيرون من ذاكرتنا.
ومن بين كل تلك الذكريات، تبقى واحدة عصيّة على النسيان…
اختياري، مع مجموعة من الأطفال، لاستقبال الملكة البريطانية إليزابيث الثانية، حين قدمت إلى دولة الإمارات قادمة من سلطنة عُمان عبر الطريق البري.
كنتُ طفلًا صغيرًا، «خنفس★» كما كانوا يلقبونني، وحين نزلت الملكة من سيارتها صافحت الأطفال جميعًا… لكنها، وحدي، لمست شعري بحنان.
شعرتُ وكأنها وضعت سيف الفارس على كتفي.
في تلك اللحظة أصبحتُ «إنجليزيًا».
وفي ثقافتنا، كان كل من يملك عينين زرقاوين أو شعرًا أشقر يُدعى إنجليزيًا، مهما كانت جنسيته.
أما أنا… فقد باركتني الملكة بنفسها.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت أتصرف كلوردٍ بريطاني صغير بين أصدقائي، بوقارٍ مصطنع وطفولةٍ حالمة.
بعد سنوات، قرر الوالد مغادرة العين. كان شوقه إلى عُمان أكبر من سنوات الغربة، فانتقلنا إلى واحة البريمي، كما كانوا يسمّونها.
واحة خضراء، تحفّها النخيل من كل جانب، ويربطها بمدينة العين طريق يمر بعود التوبة والمضيف، ثم يمتد نحو دبي.
كنا – نحن الأطفال – نسبح في فلج السوق، الذي يشق بيوت العزازنة، ويمتد نحو مزارع حماسة، حيث البيوت الأثرية وقلعة الخندق الشامخة.
استأجر والدي بيتًا في حارة القاضي، وكان صاحبه رجلًا من عائلة بن حسون، ضابطًا في شرطة أبوظبي.
كنت أناديه: النقيب خلفان.
رجل طيب كريم، لا أدري أهو اليوم بيننا أم انتقل إلى جوار ربٍ كريم.
في تلك الأيام شُيّد أشهر مساجد الحارة: مسجد أهل دبي.
وكانت مزارع البريمي تزدهر صيفًا بالليمون والمانجا والبيذام، فيما كان إخوتي يخوضون معارك طفولية مع أطفال الحارات.
أما أنا… فكنت طفلًا من نوعٍ آخر.
كنت أراها معارك عبثية لا تستحق عمري.
ومن أحداث تلك المرحلة التي لا تُنسى، أمطارٌ هطلت ثمانية أيام متواصلة، لم أرَ لغزارتها مثيلًا في حياتي.
كان أصدقائي مختلفين، وربما كنتُ محظوظًا.
دراستي في مدرسة عالمية علمتني احترام المرأة احترامًا عميقًا، بلا تصنّع، وهو احترام ما زال يرافقني حتى اليوم.
أتذكر طارق الإنجليزي، من أبٍ إنجليزي وأمٍ سورية، كان يتحدث العربية بلكنةٍ مضحكة.
وأتذكر صديقي طارق الفانك، من العائلة الأردنية المعروفة.
وتشدّني الذاكرة أيضًا إلى زميلات مدرسة الشويفات الدولية:
من عائلة مهران اللبنانية، ومن عائلة الغصين الفلسطينية، وغيرهن كثيرات لا تتسع الذاكرة لذكرهن الآن.
تلك المدرسة شكّلت وعي فايل، وجعلته طفلًا مختلفًا.
منذ الصغر، كان يراودني شعور غامض بأنني سأصبح يومًا ما شخصية معروفة.
قالت لي إحدى الصديقات، وهي تقرأ الفنجان:
«ستكون إمّا رجل مباحث… أو كاتبًا شهيرًا».
لم أصبح رجل مباحث،
وأتمنى… أن أكون كاتبًا شهيرًا.
عدتُ من شرودي إلى قنوات مزرعة الحرية، والماء ما زال يجري، كما تجري الأسئلة في رأسي.
سؤال واحد لا يفارقني:
ما سرّ الكرسي؟
ومن هو المهندس مروان؟
ولماذا لا يتحدث عنه أحد؟
أسئلة…
سأجد إجاباتها
في الفصل القادم.
★ نسبة إلى فرقة البيتلز الإنجليزية المشهورة بلقب «الخنافس».



