
كلما دخلت صالة الطعام في مزرعة الحرية، كان كرسي واحد يجذب انتباهي أكثر من أي شيء آخر.
كرسيٌّ فخم ومختلف عن بقية الكراسي المصطفّة حول الطاولات، مصنوع من خشب داكن مصقول بعناية، وله مسندان منحوتان بدقة، وكأن كل تفاصيله تحكي عن شخص لم يكن عاديًا.
كرسيٌّ يرفض أن يُستعمل، حتى الغياب فيه له وزن، ويثير الاحترام في عيون كل من يمر بجانبه.
كنت أود سؤال صديقي محمد كاشف عن سر هذا الكرسي، لكن انشغالي بأحداث المزرعة أنساني الأمر، وظل السؤال يلاحقني مع كل نظرة إليه.
الأغرب من الكرسي نفسه، تلك النظرات الحذرة للعاملين، كأنهم يلقون التحية على ذكرى لا يجوز المساس بها.
مع تأخر محمد كاشف عن الحضور – على غير عادته – بدأ فضولي الصحفي يخرج عن السيطرة.
توجهت إلى عامل النظافة وقلت له بهدوء:
– هذا الكرسي… لمن؟
تردد قليلًا، ثم دسّ بعض النقود في جيبه وهمس بخوف:
– هذا كرسي المهندس مروان.
تجمّدت الكلمة في رأسي. لم يخبرني أحد عن مهندس بهذا الاسم.
عدت لأستفسر أكثر، لكن قبل أن ينطق العامل بأي شيء، حضر مسؤول النظافة وأمره بالذهاب لتنظيف غرفته فورًا.
بقيت أنا والكرسي أمامي.
وتتابعت الأسئلة: من هو المهندس مروان؟ ولماذا وُضع كرسيه هنا؟ ولماذا لم يخبرني محمد كاشف؟
الكرسي ظل صامتًا، لكنه بدا وكأنه يعرف كل الإجابات.
تابعوني… فالكرسي لم يقل كلمته الأخيرة بعد.



