شعر و قصص

مزرعة الحرية … الأبطال رجال لم ولن يجتمعوا، إلا في مزرعة الحرية

الفصل الحادي عشر: الفالس الغائبة

بقلم: فايل المطاعني

تقول الأسطورة:
من يُمعن النظر في الأشياء التي يحبها، يصل إلى حد الثمالة…
كنتُ قاصدًا عملي،
ولا أعلم كيف وجدت نفسي أمام بابك، يا أمير العجلة.
بدأت زخّات المطر تتساقط بغزارة على طرقات مزرعة الحرية،
ورعدٌ بعيد يملأ السماء بصوتٍ مرعب ومهيب، يبشر بقدوم الليل الماطر.
حملت الكرسي مسرعًا إلى الداخل، أركض وسط الركض المتسارع لكل من حولي،
يحاولون الاحتماء من المطر…
إلا واحدًا.
عزّام.
بطل قصتنا… الوحيد الذي لم يهرب.
وقف تحت المطر، ذراعيه مفتوحتان،
يدور حول نفسه، يرقص رقصة الفالس الشهيرة،
كأنه يراقص محبوبته على أنغام الموسيقار عمر خيرت.
يده على قلبه، وهمس اسمه:
«نورة…»
وكأنها ترد بدلال:
تسمعني حين تراقصني؟
كلمات… ليست كالكلمات،
وصدى قلبه يعيدها مرارًا…
كلمــــــــات…
توقفتُ حائرًا، أراقب هذا المشهد،
والمطر يهطل فوق رأسه، يبلل جسده بالكامل،
وهو يضحك ببهجة طفولية، متخيّلًا أنها معه.
خشيت عليه من المرض،
فرجعت إليه، سحبته إلى الداخل، ودخل معنا الفيلا.
بكى بصوتٍ مبحوح:
«لماذا خانتني، نورة؟
ألم أكن حبيبها؟ لقد سامحتها مرات كثيرة…
وهي تخونني مرة أخرى…
لكن المحب يسامح… أليس كذلك؟
لقد سامحتها… عدت إليها… كما اعتدت دائماً.»
لم تكن الكلمات كافية…
كيف أواسي رجلًا تسيطر عليه العاطفة لدرجة تكاد تقتله؟
وبعد أن هدأ قليلًا، طلبت منه أن يواصل حكايته.
نظر إلى آثار المطر على الأرض، وابتسم بحزن:
«تعلم يا سيدي… عندما تأتي الأمطار ونحن معًا… أقصد أنا ونورة… كانت أصابعنا تتشابك،
أضع يدي اليسرى خلف ظهرها، ويدي اليمنى ممسكة بيدها اليمنى…
خطوة خلف خطوة، ثم نتوقف… ثم نكمل.
تختلط أنفاسنا… فلا نعلم أين تنتهي أنفاسنا وأين تبدأ أنفاس الآخر…»
توقف فجأة، وصوته يختنق بالحزن:
«ذات ليلة… أحببت أن أفاجئها قبل الأوان… دخلت إلى بيتي خلسة، وضعت الورود والهدايا… كان عيد ميلادها.
صعدت لأبحث عنها، سمعت همسات وصوت رجل… ركضت كالمجنون… لم أعلم بعدها ماذا حدث…
قيل لي إن نورة ماتت… برصاصة في الرأس… وعشيقها لا زال في العناية…
يقولون إنني أطلقت عليها النار من بندقية الصيد التي أهديتني إياها ليلة عيد ميلادي…»
بعد خمس سنوات من السجن،
عاد ليكمل رقصة الفالس مع حبيبته… نورة.
خرج تحت المطر، الطين يغطّي رأسه، وهو يغني بصوت مزيج من الألم والفرح:
“أنا بتبع قلبي… بس ما علي من الناس…
كذب اللي يقولون… المحبة لها مقياس…
أحبها محبة من زمان الصبا… وأقدم… أحبها محبة قبل أن يخلق أبونا آدم…”
وفي صباح اليوم التالي،
حضرت سيارة الإسعاف لتأخذه إلى مستشفى المسرة.
قيل إنه ظل طوال الليل يبكي، ينادي: «نورة…»
ملاحظات للفهم:
الفالس: رقصة بين فتى وفتاة، تتناغم خطواتها مع الموسيقى الهادئة.
المسرة: مستشفى الأمراض العقلية.
أنا بتبع قلبي: من أشعار المرحوم الشاعر حسين المحضار.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى