ريتشارد… الرجل الذي اختارهنَّ حين لم يخترهنَّ أحد
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

كان العام ١٩٧٩م في مدينة تشارلوت الأمريكية. كانت حياة ريتشارد قد ضاقت بالصمت؛ فقد فارقت زوجته لورين الحياة منذ عام تقريبًا، والمنزل الذي طالما حلم أن يملأه بضحكات الأطفال، بات فراغًا باردًا كئيبًا.
في الرابعة والثلاثين من عمره، كان يقضي أمسياته جالسًا إلى طاولة المطبخ، يحدق في ورق الجدران المتشقق، مصغيًا إلى دقات عقارب الساعة، كأنها تسخر منه مع كل دقيقة تمضي.
كان الناس يقولون له:
عليك أن تتزوج ثانية… أن تبدأ من جديد.
لكنه لم يكن يريد بداية جديدة، بل كان يريد أن يحفظ وعدًا همست به لورين ذات ليلة على سرير المستشفى، هزيلة توشك أن تذوي:
*لا تدع الحب يموت معي… امنحه مكانًا آخر ليحيا فيه.*
ذلك الوعد هو ما ساقه القدر، في مساءٍ ماطر، إلى ميتمٍ عند أطراف المدينة. لم يكن يقصد التوقف، لكن شاحنته تعطلت قرب المكان،وكأن القدر ساقه الى هناك. وحين دخل باحثًا عن المساعدة، جذبه بكاء الأطفال المكتوم من ممرٍ معتم.
في غرفة صغيرة، كانت الأسرة متلاصقة في صفوف، وبداخلها *تسع طفلات،* جميعهن سمر البشرة، بعيون بنية واسعة، وأذرع صغيرة تمتد نحو أي يد قد تحتضنها.
تجمد ريتشارد في مكانه… تسع حيوات دفعة واحدة. كيف يمكن للعالم أن يترك هذا العدد من القلوب هكذا؟
همست المربية خلفه:
*لا أحد يريدهن* يأتي البعض لتبني واحدة أو اثنتين، لكن لا أحد يأخذهن جميعًا. *سيفترقن* في النهاية.
كلمة *يفترقن* اخترقت صدره كخنجر ملتهب.
كان عقله يصرخ: *أنا وحيد، بلا مال، سيظن الناس أنني مجنون.*
لكن قلبه سبق عقله. تقدّم خطوة، فإذا بطفلة تقبض بيديها الصغيرتين وتحدق فيه بحدة، كأنها تعرفه منذ زمن، وأخرى مدت يدها تمس كمّه، وثالثة ابتسمت كاشفة عن لثتها.
عندها انفتح داخله شيء لم يُغلق بعد ذلك أبدًا. همس بصوت مرتجف:
*سآخذهن.*
كان إتمام الأوراق حربًا حقيقية. وصفه موظفو الرعاية بالطيش، وأقاربه بالحماقة، وجيرانه بالجنون.
*ما بال رجل أبيض يتبنى تسع فتيات سمراوات؟*
بعض الهمسات كانت أثقل من ذلك.
باع شاحنته، وأدواته، وحتى مجوهرات زوجته الراحلة. عمل ساعات إضافية في المصنع، رقّع الأسطح في عطلات نهاية الأسبوع، وسهر ليالي طويلة في المطاعم. كان كل دولار يذهب للحليب، والحفاضات، والأسرة التي كان يبنيها بيديه.
امتلأ البيت بالفوضى: ليالٍ بلا نوم، زجاجات تغلي على الموقد، وحبال غسيل مثقلة بتسع مجموعات من الثياب الصغيرة.
تعلّم أن يضفر الشعر بأصابع متعثرة، وأن يميز أي تهويدة تناسب أي طفلة، وأن يعد أنفاسهن في الظلام حين يعجز النوم عن زيارته.
واجه نظرات الريبة في الحدائق والمتاجر، وبصق أحدهم يومًا قرب قدميه قائلًا:
*ستندم على هذا.*
لكن الندم لم يأتِ.
جاءت ضحكات تسع فتيات معًا، صوتٌ هزّ الجدران قبل القلوب. جاء منظرهن وهن يزحفن صفًا واحدًا في الممر كقطار حي، وثقل تسعة أجساد صغيرة نائمة فوقه، كأنه يحتضن وسادة من حرير.
كنّ له… وكان لهن.
كبرن، واختلفت طباعهن:
* *كاثرين* : الأعلى ضحكًا.
* *سالي* : الأكثر التصاقًا بقميصه.
* *جازمين ونيكول* : شريكتا الشقاوة.
* *هانا* : الرقيقة التي تطفئ الخصام.
* *روزماري* : الصامتة الصلبة.
* *سامانثا، أليآ، وتيفاني* : ثلاثي لا يفترق.
وفي عيون الناس كنّ *البراعم التسع*، أما في قلبه فكنّ ببساطة: *بناته* .
مرّت السنوات ثقيلة، وبدأ ظهره ينحني، لا لكبر سنه بل لثقل السنين. غادرت الفتيات واحدة تلو الأخرى: إلى الجامعات، ثم الأعمال، ثم الزواج.
عاد البيت صامتًا كما كان، وجلس ريتشارد ذات ليلة وحيدًا يحدق في صورة مؤطرة لهن أطفالًا، هامسًا:
*لقد أوفيت بالوعد يا لورين.*
مرت عقود وازدهرت الفتيات؛ صرن معلمات، ممرضات، فنانات، أمهات.. بنين حياتهن، إلا أنهن لم يبتعدن كثيراً، بل كن في كل عطلة يعدن إلى بيته المتواضع يملأنه بالضوضاء حتى لا تكاد الجدران تتسع لها. وكان ريتشارد في كل مرة يجلس متكئًا، وعيناه تدمعان، يتأمل المعجزة التي كان من الحماقة والشجاعة أن يختارها.
والآن *بعد ٤٦ سنة* ، في عام ٢٠٢٥م، جلس ريتشارد الأب الحاني على مقعد وثير وقد حفرت السنين خطوطها في وجهه وجسده الضعيف، لكن عينيه لا تزالان صافيتين. من حوله تسع نساء، لم يعدن فتيات بل نساء مشرقات واثقات بأنفسهن، قد أحطن به، أذرعهن على كتفيه، وجوههن قريبة، ابتساماتهن تتفتح كالزهور. تومض الكاميرات والعالم يتابع، وظهرت العناوين في الصحف: “في ١٩٧٩م شاب تبنى تسع فتيات سمراوات.. انظروا إليهن الآن”.
لكن بالنسبة *ريتشارد* لم يكن الأمر عناوين ولا شهرة، بل تلك اللحظة.. اكتمال الدائرة واتمام الوعد الذي قطعه على زوجته منذ أكثر من *٤٧ عاماً* . الرضيعات اللواتي لم يردهن أحد أصبحن نساء يُعجب بهن العالم، وهو الرجل الذي شكك فيه الجميع عاش حتى رأى ذلك بعينيه. اقتربت ( *روزماري* )، إحدى بناته، وهمست: “أبي.. لقد فعلتها، أبقيتنا معاً. ارتعشت شفتاه بابتسامة وهمس بصوت هش لكنه ثابت: *”لا.. لقد فعلناها معاً، الحب هو من فعلها”* .
عم الصمت الغرفة وكل ابنة تميل نحوه، تحيط بجسده الواهن.. ذلك الرجل الذي اختارهن حين لم يختارهن أحد. وللمرة الأولى منذ ٤٦ سنة، سمح (ريتشارد) لدموعه أن تنهمر دون إخفائها.
وبعد ذلك بأسابيع قليلة، في صباحٍ هادئ، وُجد ريتشارد راقدًا في سريره، ملامحه ساكنة، وابتسامة خفيفة على شفتيه، كأن جسده قرر أخيرًا أن يستريح.
لم يمت وحيدًا؛ كانت صور بناته تحيط به، ورسالة قديمة بخط زوجته محفوظة قرب قلبه.
دُفن *ريتشارد* إلى جوار زوجته *لورين* ، تحت شاهدٍ بسيط كُتب عليه:
*هنا يرقد رجل لم يُنجب من صلبه، لكنه أنجب بالحب.*
وقفت بناته التسع حول القبر، متشابكات الأيدي، والدموع تنهمر بصمت. لم يكن بكاء فَقْد، بل بكاء امتنان.
فذلك الرجل الذي اختارهن حين لم يخترهن أحد، لم يرحل فقيرًا…
بل رحل *غنياً بالحب والأمتنان* .
لأن الوعد لم يُحفظ فحسب…
*بل أزهر، ثم نام بسلام.*


