شعر و قصص

حارس المقبرة ​الفصل السادس والعشرون: عارُ الشاهدِ الصامتِ

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عمان - مسقط

​على الرغمِ منْ أنَّ رسالةَ عادلٍ الأخيرةَ حولَ السحرِ والعرافينَ أحدثتْ ضجةً في المدينةِ، وأيقظتْ بعضَ النفوسِ الغافلةِ، فكانَ الأثرُ الطيبُ في نفوسِ الناسِ وغيرِهمْ ممّنْ أضاعوا دينَهُم ودُنياهمْ وساروا خلفَ الظلمِ والضلالِ، واستفاقتْ قلوبُهمْ منَ الغفلةِ. لكنَّ عادلًا كانَ يُدركُ أنَّ حكاياتِ المقبرةِ لا تنتهي؛ فكلُّ يومٍ يحملُ ذنباً جديداً يحتاجُ إلى تطهيرٍ.
​مضتِ الأيامُ، وفي ليلةٍ كانتْ مُضيئةً بنورِ القمرِ، جلسَ عادلٌ يتفقدُ سجلَّ القبورِ القديمةِ في غرفتِهِ الصغيرةِ بالمقبرةِ. شعرَ فجأةً بوجودِ غيرِ مُريحٍ يلفُّهُ، ليسَ عذاباً صارخاً كبقيةِ الأرواحِ، بلْ صمتاً ثقيلاً يكسوهُ عارٌ داخليٌّ.
​ظهرتْ لَهُ روحٌ لرجلٍ مُسنٍّ وهيَ تحبُو وكأنَّها مشلولةٌ أوْ حيَّةٌ ضخمةٌ تزحفُ ببطءٍ ومشقةٍ. كانتْ ملامحُهُ تُوحي بالوجاهةِ والوقارِ في حياتِهِ، لكنَّها كانتْ تُعبّرُ الآنَ عنْ خيبةِ أملٍ لا تُوصفُ. وقفتِ الروحُ بصمتٍ بعدَ عناءٍ، وعيناها مُثبّتتانِ على الأرضِ وكأنَّها تخجلُ منْ رفعِهما.
​اقتربَ عادلٌ بِهدوءٍ، وقالَ للروحِ: “أرى أنَّكَ لستَ مُعذَّباً بنارٍ أوْ قيودٍ، بلْ أرى فيكَ ثقلَ الضميرِ ووجعَ العارِ. ما هيَ قصتُكَ أيُّها الروحُ الكريمةُ؟”
​رفعتِ الروحُ رأسَها بصعوبةٍ، وتحدثتْ بصوتٍ خافتٍ مُنهكٍ، كأنَّ الحروفَ تُكافحُ للخروجِ:
​روحُ الشاهدِ الصامتِ: “يا عادلُ يا حارسَ القبورِ والأرواحِ الضائعةِ، أنا لستُ منْ قَتَلَ، ولستُ منْ سرقَ، لكنَّني أُعاني أشدَّ ممّنْ فعلوا! في حياتي كنتُ شاهداً على ظلمٍ وقعَ في حقِّ رجلٍ مسكينٍ منْ قريتنا، لقدْ سُرقتْ أرضُهُ بِالباطلِ، وكذَبَ عليهِ الأقوياءُ، وكنتُ أنا الوحيدَ الذي رأى الحقيقةَ وعلمَ تفاصيلَ المؤامرةِ كاملةً.”
​عادلٌ: “ولماذا لمْ تتكلمْ إذنْ؟ ألمْ تعرفْ قيمةَ الشهادةِ بالحقِّ؟”
​روحُ الشاهدِ الصامتِ: “لقدْ غلبتْنيَ الدنيا يا حارسَ المقبرةِ! صمتُّ خوفاً منْ أنْ أفقدَ موقعيَ وماليَ، وربما خوفاً على سلامتي منْ بطشِ الظالمينَ. ظننتُ أنَّ صمتيَ هوَ حمايةٌ ليَ، ولكنهُ كانَ صكَّ إذعانٍ لِلظلمِ وبيعاً لِضميريَ! ماتَ الرجلُ المسكينُ مقهوراً، وضاعَ حقُّهُ إلى الأبدِ. إنَّ عذابي هنا يا عادلُ هوَ أنْ أرى صورَ وجهِهِ المكسورِ تتكرّرُ أماميَ، وهوَ مدفونٌ في هذهِ المقبرةِ أراهُ يتنعّمُ وأنا مُنهكٌ منَ العذابِ، وأسمعُ نداءاتِهِ لِمنْ ينقذُهُ، وأنا مُقيّدٌ بالصمتِ الأبديِّ. لقدْ أدركتُ أنَّ الساكتَ عنِ الحقِّ شيطانٌ أخرسُ، ولكنْ بعدَ فواتِ الأوانِ، ولكلِّ شيطانٍ عذابُهُ الخاصُّ.”
​نكسَ عادلٌ رأسَهُ حزناً على ما سمعَ، ثمَّ سألَها: “وماذا تريدُينَ منّي؟ لقدْ ماتَ الرجلُ وضاعَ حقُّهُ، فكيفَ يُمكنُنيَ أنْ أُصلحَ صمتَكَ الآنَ؟”
​روحُ الشاهدِ الصامتِ: “أعلمُ أنَّني لا أستحقُّ الشفاعةَ، ولكنْ، يجبُ أنْ يدركَ الأحياءُ أنَّ الحقَّ لا يموتُ بِموتِ صاحبِهِ أوْ صمتِ شاهدِهِ. علَّ اللهَ يُخفّفُ عنّي ممّا أنا فيهِ. اذهبْ إلى ولدي (فهدٍ)، أخبرْهُ بِالحقيقةِ كاملةً، واسردْ لَهُ قصتيَ وعذابي، واطلبْ منْهُ أنْ يذهبَ إلى المحكمةِ ويُعيدَ الشهادةَ بالحقِّ الذي ضيَّعتُهُ أنا بجبني. لعلَّ إقرارَهُ بالحقِّ يُنقذُ روحَ الرجلِ المظلومِ، ويُخفّفُ شيئاً منْ ثقلِ عاري! أرجوكَ ساعدني يا حارسَ المقبرةِ الكريمِ.”
​تنهدَ عادلٌ قليلاً وقالَ: “لا بأسَ عليكِ أيتها الروحُ الشقيةُ، سأفعلُ ذلكَ وسأدعو اللهَ لكِ.”
​تلاشتِ الروحُ في الظلامِ، تاركةً عادلًا أمامَ حكمةٍ جديدةٍ وكنزٍ آخرَ منَ المعرفةِ: المالُ لا يُعادلُ كلمةَ حقٍّ واحدةً. أدركَ عادلٌ أنَّ مهمتَهُ القادمةَ لنْ تكونَ سهلةً، فالشهادةُ بالحقِّ تتطلبُ شجاعةً في وجهِ القوةِ والظلمِ.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى