شعر و قصص

​حارس المقبرة ​الفصل الخامس والعشرون: لعنةُ السحرِ المُفرِّقِ

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان-مسقط

​بعدَ مهمتِهِ الصعبةِ في بثِّ الأملِ للنجاةِ منَ اليأسِ، لمْ يكدْ عادلٌ يستعيدُ هدوءَهُ حتى طرأتْ حادثةٌ جديدةٌ أثارتْ سُخطَ أهلِ البلدةِ. لقدْ توفّيتْ امرأةٌ اشتهرتْ في حياتِها بِممارسةِ الشعوذةِ والسحرِ لِإيذاءِ الناسِ والتفريقِ بينَ الأزواجِ بغيرِ حقٍّ.
​عندَ حملِ جنازتِها لِلدفنِ، كانتِ المفاجأةُ صادمةً: كانتِ الجنازةُ ثقيلةً جداً، لدرجةِ أنَّها احتاجتْ لِعدّةِ رجالٍ أقوياءَ لِحملِها، وتوقّفوا مراراً منْ ثقلِها الغريبِ. تمتمَ الناسُ بالهمساتِ، مُدركينَ أنَّ هذا الثقلَ ليسَ طبيعياً، وأنَّهُ لربما كانَ انعكاساً لِثقلِ ذنوبِها وكبائرِ أفعالِها. كانَ الرجالُ والنساءُ منْ حولِها يدعونَ عليها بالعذابِ لِما لقوهُ منْ أذيةٍ في حياتِها، وآخرونَ يدعونَ لها بالهلاكِ. دُفنتِ المرأةُ أخيراً في ركنٍ قصيٍّ منَ المقبرةِ.
​لمْ يمضِ ليلٌ أوْ ليلتانِ، حتى شعرَ عادلٌ بثقلٍ غريبٍ يأتيهِ منْ اتجاهِ قبرِها. في منتصفِ الليلِ، توجّهَ عادلٌ إلى قبرها. كانتْ ريحٌ ساخنةٌ تلفحُ وجهَهُ معَ أنَّ الوقتَ شتاءٌ، وكأنَّ المكانَ يرفضُ وجودَها.
​ظهرتْ لَهُ روحُ المرأةِ بوجهٍ شاحبٍ مُشوّهٍ، تتلوّى منَ العذابِ، وتئنُّ بأصواتٍ تُقطعُ نياطَ القلبِ، وهيَ تُشيرُ إلى جسدِها الملتهبِ المُتحلّلِ.
​اقتربَ عادلٌ وهوَ يتعوّذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيمِ، وسألَها بصوتٍ يملؤهُ التعجبُ والألمُ: “ما خطبُكِ أيتها الروحُ؟ أيُّ عذابٍ هذا الذي أراهُ؟”
​تحدثتِ الروحُ بصوتٍ مُرتجفٍ، وكأنَّ النيرانَ تلتهمُ حُنجرتَها:
​الروحُ الساحرةُ: “آهٍ يا حارسَ القبورِ! لقدْ ظننتُ أنَّ قدرتي على السيطرةِ على قلوبِ الناسِ وتفريقِهمْ هوَ قوةٌ. كنتُ أجدُ مُتعةً مُرَوِّعةً في رؤيةِ الأسرِ تتفكّكُ… لقدْ كنتُ أُفكّرُ في كسبِ المالِ والنفوذِ، ونسيتُ أنَّني أُبادلُ الجنَّةَ بِلعنةٍ أبديةٍ!”
​عادلٌ: “ولماذا هذا الثقلُ في جنازتِكِ؟ وما هوَ عذابُكِ الآنَ؟ فلا خلاصَ لكِ منْ عذابِ اللهِ بما كسبتْ يداكِ.”
​الروحُ الساحرةُ: “ذلكَ الثقلُ يا حارسَ القبورِ، هوَ ثقلُ كلِّ شرٍّ فعلتُهُ، وثقلُ كلِّ قلبٍ فرَّقتُهُ، وثقلُ كلِّ دعوةِ مظلومٍ صعدتْ للسماءِ بسببي. أما عذابي هنا، فهو أنْ أرى كلَّ تلكَ القلوبِ التي فرَّقتُها تُعادُ لِتتّحدَ بِمشيئةِ اللهِ… وتُعادُ عليَّ مشاهدُ عذابِ كلِّ مَنْ ظلمتُهُم ألفَ ألفِ مرةٍ! لقدْ أدركتُ الآنَ أنَّ الفتنةَ والسحرَ هما أشدُّ أنواعِ القتلِ للأرواحِ والعلاقاتِ الإنسانيةِ… إنَّني أُعاني منْ لعنةِ السحرِ المُفرّقِ!”
​قالَ عادلٌ متأثراً: “وماذا تريدينَ منّي أنْ أفعلَ لكِ الآنَ؟”
​الروحُ الساحرةُ: “لا شيءَ يُمكنُ أنْ يُنقذَني إلا أنْ تُرسلَ رسالةً قويةً للأحياءِ! أخبرْهُمْ أنَّ السحرَ ليسَ لهُ إلا الخسرانُ المبينُ في الدنيا والآخرةِ. ذكّرْهُمْ بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، وذكّرْهُمْ بأنَّ التفريقَ بينَ الزوجينِ منْ أعظمِ الذنوبِ. أخبرِ الأحياءَ أنْ يتركوا الاستعانةَ بالسحرةِ والمشعوذينَ لأنَّهمْ منْ أتباعِ الشياطينِ، وأنْ يستعينوا باللهِ العزيزِ الحكيمِ.”
​تلاشتِ الروحُ في صرخةٍ مُتألمةٍ، وبقيَ عادلٌ واجماً. عادَ إلى بيتِهِ، يحملُ هماً كالجبالِ الرواسي، وقدْ أيقنَ أنَّ عليهِ مهمةً جديدةً وخطيرةً: مواجهةَ الشياطينِ منَ الجنِّ والإنسِ، وبثَّ رسالةِ الحفاظِ على الروابطِ الإنسانيةِ منْ كلِّ ما يُفرّقُها.
​مُهمةُ الإبلاغِ العاجلةِ
​في الصباحِ الباكرِ، لمْ يُؤجّلْ عادلٌ رسالتَهُ. توجّهَ إلى الجامعِ وخطبَ في الناسِ خطبةً عصماءَ، ذكّرَهمْ فيها باللهِ تعالى، وحذّرَهمْ منَ الكبائرِ والذنوبِ العظامِ، وأنَّ خاتمةَ كلِّ مَنْ يمشي في طريقِ السحرِ والفرقةِ هوَ الخسرانُ المبينُ والعذابُ الأليمُ.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى