شعر و قصص

​حارس المقبرة ​الفصل الرابع والعشرون: صدى اليأسِ الأخيرِ

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

لمْ يكدْ عادلٌ ينجحُ في مهمةِ الإصلاحِ بينَ التاجرينِ، حتى فوجئَ بحدثٍ ألقى ظلالاً قاتمةً على المدينةِ بأكملِها: شابٌّ في ريعانِ شبابِهِ انتحرَ شنقاً بعدَ مرورهِ بأزمةٍ نفسيةٍ حادةٍ وخسارةٍ ماديةٍ.
​في صباحِ اليومِ التالي، وقفَ عادلٌ يشرفُ على دفنِ الشابِّ في أقصى زاويةٍ منَ المقبرةِ. كانَ عادلٌ يشعرُ بثقلٍ لا يُحتملُ؛ فهذهِ ليستْ روحاً نادمةً على تقصيرٍ، بلْ روحاً قطعتْ حبلَ الوصلِ بينَها وبينَ الحياةِ.
​بعدَ مرورِ عدّةِ أيامٍ، وفي منتصفِ الليلِ، توجّهَ عادلٌ إلى قبرِ الشابِّ المُنتحرِ. كانتِ المقبرةُ في هذهِ الزاويةِ مُظلمةً وكئيبةً بشكلٍ لا يُوصفُ. وبمجردِ أنْ اقتربَ عادلٌ، سمعَ أنيناً مُتقطّعاً وبكاءً خافتاً يُمزّقُ السكونَ.
​ظهرتْ لَهُ روحُ الشابِّ بوجهٍ أسودَ مُظلَمٍ، وعلاماتُ الشنقِ لا تزالُ واضحةً كوصمةٍ أبديةٍ. كانتِ الروحُ تتلوّى منَ العذابِ الداخليِّ، تئنُّ وتشتكي بوجعٍ لمْ يسبقْ لِعادلٍ أنْ سمعهُ منْ قبلُ.
​اقتربَ عادلٌ بوقارِهِ الأبويِّ، وقالَ لها بصوتٍ يحملُ العزاءَ والحكمةَ: “ما بالُكَ يا ولدي؟ لقدْ اخترتَ نهايةَ طريقِكَ بملءِ إرادتِكَ. فلماذا هذا العذابُ الآنَ؟ ألمْ تفكّرْ فيما ستترُكُهُ منْ ألمٍ وحزنٍ لِمنْ يُحبّونَكَ؟ ألمْ تفكّرْ في العذابِ والعقابِ؟!”
​تحدثتِ الروحُ بصوتٍ مُرتجفٍ وحسرةٍ لمْ تُفارقْ عادلًا بعدها:
​الروحُ المنتحرةُ: “آهٍ يا عمَّ عادل! لقدْ كانَ ضعفي في إيمانيَ باللهِ سبباً لِضياعي! ظننتُ أنَّ الموتَ هوَ نهايةُ الألمِ، لكنَّني اكتشفتُ أنَّ الموتَ الذي اخترتُهُ هوَ بدايةُ الألمِ الذي لا نهايةَ لَهُ! كنتُ أتخيّلُهُ سكوناً وراحةً منَ العذابِ، فوجدتُهُ ندمًا مُتجدّداً! الحياةُ كانتْ صعبةً، لكنَّ هنا العذابُ هوَ في إدراكِ الحقيقةِ: أنَّني أضعتُ كلَّ فُرصِ الرجوعِ لأنَّ يقيني باللهِ لمْ يكنْ كافياً لِيُنجّدني!”
​عادلٌ: “يا ولدي، لماذا اليأسُ؟ ألمْ يكنْ هناكَ بصيصُ نورٍ لِتتمسّكَ بهِ؟”
​الروحُ المنتحرةُ: “لقدْ أعمى اليأسُ بصيرتي يا عادلُ! كنتُ أرى ظلامي فقطْ، ونسيتُ أنَّ الخسارةَ الماديةَ تُعوّضُ، وأنَّ الألمَ النفسيَّ يزولُ لوْ كانَ هناكَ سندٌ إلهيُّ قويٌّ في القلبِ. ولكنْ، يا عمَّ عادل، الناسُ أيضاً كانوا سبباً! كنتُ بحاجةٍ لِمدِّ يدِ العونِ، لِكلمةٍ طيّبةٍ، لِقلبٍ يحتوي ألمي، لكنَّ الجميعَ تخلّى عنّي! لقدْ تركَنيَ المجتمعُ وحيداً أُصارعُ اليأسَ، فانتصرَ عليَّ. لقدْ تمكّنَ منّيَ الشيطانُ، وكانَ الناسُ عوناً لَهُ لِما آلتْ إليهِ نفسي. ليتَهمْ يدركونَ أنَّ المُنقذَ الحقيقيَّ هوَ اللهُ، وأنَّ النجاةَ تكونُ بِمَدِّ يدِ العونِ للبشرِ!”
​عادلٌ: “إنَّ رسالتَكَ قاسيةٌ ومؤلمةٌ يا ولدي، لكنَّها حقيقيةٌ. ماذا تريدُ منّي أنْ أفعلَ الآنَ لِلتخفيفِ عنْ عذابِكَ؟”
​الروحُ المنتحرةُ: “لا شيءَ يُخفّفُ عنّي سوى أنْ تُنقذَ كلَّ يائسٍ منَ اتّباعِ طريقي! أحمِلْ رسالتي إلى كلِّ مَنْ يشعرُ أنَّهُ وحيدٌ في هذهِ الدنيا، أخبرْهمْ أنَّ هناكَ يداً إلهيةً لا تتركُ مَنْ يلجأُ إليها. ذكّرْهمْ بضرورةِ الإيمانِ العميقِ واليقينِ التامِّ في أصعبِ الظروفِ، وذكّرِ الأحياءَ بأنْ لا يتخلّوا عنْ إخوانِهِمْ! أخبرْهمْ أنَّ الحياةَ مهما كانتْ مُرَّةً، فهيَ أثمنُ منْ يُلقى بها في هاويةِ اليأسِ لِضعفِ إيمانٍ أوْ غفلةِ مجتمعٍ.”
​تلاشتِ الروحُ وهيَ تُصدرُ أنيناً أخيراً كسّرَ قلبَ عادلٍ، وجعلَهُ يُدركُ أنَّ هذهِ الروحَ ستظلُّ مُعذّبةً بحسرةِ الاختيارِ الخاطئِ. عادَ عادلٌ إلى بيتِهِ، وقدْ تملّكَهُ إحساسٌ جديدٌ بضرورةِ بثِّ الأملِ والرجاءِ، مُدركاً أنَّ عليهِ أنْ يُدافعَ عنْ إيمانِ الأحياءِ قبلَ أنْ تُغلقَ أبوابُ التوبةِ باليأسِ.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى