حارس المقبرة الفصل الحادي والعشرون: أمانةُ الصدقةِ الخفيةِ
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

لمْ يعتدْ عادلٌ أنْ يستقبلَ الزوّارَ في بيتِهِ الصغيرِ المُطلِّ على أطرافِ المقبرةِ، فقدْ كانتْ حياتُهُ مُكرّسةً لسماعِ همساتِ القبورِ. ولكنْ في صباحِ يومٍ تالٍ، بعدَ أنْ أشرقتْ شمسُ يومٍ جديدٍ، طرقَ بابَهُ طرقٌ مُحترمٌ وغيرُ مُتوقّعٍ.
فتحَ عادلٌ البابَ فوجدَ شاباً يبدو عليهِ الوقارُ والهيبةُ، يحملُ حقيبةً متوسطةَ الحجمِ.
قالَ الشابُّ بأدبٍ جمٍّ: “السلامُ عليكَ يا عمَّ عادل. اسمي خالدٌ، ولقدْ سألتُ عنْ رجلٍ أمينٍ وحكيمٍ، فدلّوني عليكَ لِمَا عُرفتَ بهِ منْ صلاحٍ. يا عمَّ عادل، لقدْ كانَ أبي رجلاً غنياً جداً، وتركَ ليَ ثروةً، لكنَّهُ للأسفِ كانَ مُقصّراً في حقِّ اللهِ وحقِّ الفقراءِ، ولمْ يتصدّقْ في حياتِهِ قطُّ.”
شعرَ عادلٌ بأنَّ القصةَ أكبرُ منْ مجردِ صدقةٍ. سألَ بهدوءٍ: “وما الذي أتى بكَ يا ولدي بهذهِ الحقيبةِ؟”
أخرجَ خالدٌ مفاتيحَ وقالَ: “لقدْ ألهمني اللهُ أنْ أُخرجَ جزءاً كبيراً منْ مالِهِ صدقةً جاريةً، أريدُها أنْ تكونَ خفيةً لا يعلمُ بها أحدٌ سوانا، علَّ اللهَ يرحمُهُ ويرفعُ عنهُ. أتيتُكَ لِتكونَ أمينَ هذهِ الصدقةِ والمُشرفَ على توزيعِها، فأنتَ أدرى ببيوتِ المتعففينَ.”
شعرَ عادلٌ بثقلِ الأمانةِ، ولكنهُ شعرَ أيضاً بسعادةٍ غامرةٍ؛ فهذهِ رسالةٌ حيةٌ مُباشرةٌ تؤكدُ أنَّ دروسَ المقبرةِ تُغيّرُ الواقعَ.
قالَ عادلٌ بهدوءٍ وثباتٍ: “أهلاً بكَ يا ولدي خالد. لقدْ اختارَكَ اللهُ لِهذهِ المهمةِ النبيلةِ. اعلمْ أنَّ كنزَ الصدقةِ ليسَ في كمِّ المالِ، بلْ في إخلاصِ النيةِ وفي حفظِ كرامةِ الفقيرِ.”
في تلكَ الليلةِ، ذهبَ عادلٌ إلى المقبرةِ، إلى قبرِ والدِ خالدٍ الذي لمْ يعرفهُ في حياتِهِ، لكنَّه عرفَ قصتَهُ الآنَ. وبعدَ أنْ وجدَ القبرَ، ما لبثَ أنْ بدأَ بالدعاءِ. ظهرتْ لهُ روحُ الأبِ بوجهٍ شاحبٍ ومليءٍ بالهمِّ.
تحدّثتِ الروحُ بصوتٍ مُتكسّرٍ يُنادي: “أعتقدُ أنَّ ولدي خالد قدْ جاءَ إليكَ، فأنتَ خيرُ مَنْ يُعينُ على هذا الأمرِ. أرسِلْ رسالةً يا عادلُ! أخبرْ الأحياءَ أنَّ المالَ لا ينفعُ إلا إذا سُخِّرَ للآخرةِ! ها أنا الآنَ أُعاني منْ حسرةِ البخلِ والتقصيرِ، وكنوزي صارتْ وبالاً عليَّ! أنا الآنَ أُنادي بنداءِ منْ أدركَ الحقيقةَ متأخراً… نداءُ كلِّ مُقصِّرٍ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.”
أكملتِ الروحُ: “يا عادلُ، أخبرْ ابني أنْ يتصدّقَ بكلِّ ما يستطيعُ لِيُخفّفَ عنّي، وأنْ يُسخّرَ المالَ في وجوهِ البرِّ، لِئلّا يُصبحَ كنزُهُ جمرةً. لقدْ كنتُ غافلاً، فصارتْ حسرتي في قبري عظيمةً. يا ليتَ الأغنياءَ يعرفونَ ما أُعاني، فيتداركوا أنفسَهمْ. يا ليتَ منْ معهُ ولوِ القليلُ منَ المالِ يُبادرُ بالصدقةِ.”
قالَ عادلٌ: “لا بأسَ عليكَ يا عمِّ، إنَّ ابنَكَ خالد قدْ جاءَ إليَّ منْ أجلِ ما ذكرتَ، وإنْ شاءَ اللهُ ستصلُ رسالتُكَ للناسِ.”
عادَ عادلٌ إلى بيتِهِ، وقدْ تضاعفَ ثقلُ الأمانةِ. أدركَ أنَّ مهمتَهُ الآنَ لمْ تعدْ مجردَ توزيعِ مالٍ، بلْ هيَ تصحيحٌ لِمسارِ حياةِ أبٍّ ضاعتْ منهُ فرصةُ العملِ الصالحِ في دنياهُ. بدأَ يفتحُ أوراقَهُ، وعيناهُ تلمعانِ، لِتَبْدأَ رحلةُ البحثِ عنِ الكنوزِ الحقيقيةِ في قلوبِ الأحياءِ، هذهِ المرةَ بمالٍ ملموسٍ يسعى لِغسلِ ذنبِ أبٍ نادمٍ.


